lorem ipsum dolor sit

حياة القديسة

  • القسم الأول
  • الفصل الأول
  • الفصل الثاني
  • الفصل الثالث
  • الفصل الرابع
  • القسم الثاني
  • الفصل الأول
  • الفصل الثاني
  • الفصل الثالث
  • الفصل الرابع
  • القدّيسة فيرونيكا جولياني
    تلميذة مريم ورسولة حقيقيّة لها



    توطئة

    في هذه الأزمنة المدعوّة بحقّ "الأزمنة المريميّة" تبرز حاجة ماسّة للقدّيسة فيرونيكا. انّها دعوة قويّة وجديدة أوحى بها ا رهب سوريّ شاب، هو الأخ جلمودعطا الله، عطية حقيقيّة من الله. هذا الراهب، واثر شفائه الجسديّ والروحيّ الذي عزاه إلى القدّيسة فيرونيكا، تلقّى من خلال إشارات إلهيّة، رسالة تدعوه إلى التعريف بالقدّيسة جولياني الكبوشيّة، متصوّفة شيتا دي كاستلو، واشاعة التعبّد لها كوسيلة لتجديد الشعب المسيحيّ. لكن ما كادت تتفجّر طاقته الرسوليّة حتّى لبّى نداء ربّه غزيرا" محبوبًا (18/11/1997) أجل! لقد بلغ الكمال بسرعة (الحكمة 4/ 15 , 13 ).

    غير أنّ ما يوحي بالإطمئنان إلى مسيرة هذه الدعوة النيّرة، استكمالها من قبل رفيق دربه التوأم اللبنانيّ، الأخ عمانوئيل خادم قلب مريم المتألّم والطاهر. هذاالأخ شعر باندفاع لا يُقاوم، لمتابعة هذه الرسالة الداعية إلى إصلاح الإيمان والعادات، وتعميق التقوى في الحياة المسيحيّة من خلال تعاليم القدّيسة فيرونيكا جولياني وروحانيّتها. لقد جعل من سيرة حياتها كتيّب مليء بالخواصّ والحقائق العمليّة التي يمكن تلمّسها لأنسنة هذا العصر، وعلى رأسها، الدعوة لتأجيج الغيرة للتكرّس لقلب مريم الطاهر بشعلة المحبّة والألم.

    إنّه إذًا، تذكير جديد. فبعد حوالي ثلاثة قرون، تعود شعلة الحبّ التي ألهبت قلب وروح القدّيسة فيرونيكا لتظهر من جديد كنار من فُوّهة بركان، كان بإمكانه أن يبدو جامدًا، لكونه غير معروف وغير مقصود. لذا أراد، وبحقّ، أن يدفعنا من جديد لتأمّل الاختبار الحياتيّ لدى هذه القدّيسة التي تتصدّى بوضوح للعقلنة المتفشيّة في عصرنا. إلاّ أنّه شعر، بالأكثر، بضرورة أن يعلن للعالم النقاطَ الأربع الأساسيّة التي تشكّل مضمون "الرسالة الفيرونيكيّة": "الأولويّة المطلقة لمحبّة الله، حقيقة جهنّم والشياطين المُرْعبة التي لا يعتقد العديد اليوم بوجودها.مدرسة التكفير، ودور العذراء مريم الذي لا غنى ولا بديل عنه.

    وقد استوحى كلّ ذلك بدقّة ومهارة، وبإلهام عميق، من "اليوميّات" التي كتبتها القدّيسة بروح الطاعة بدءًا من سنة 1693 وحتّى وفاتها. وهنا نستشعر تلك "الإلهيّات" بطريقة فريدة غير قابلة للتكرار.

    الأب كوستنزو كارنيوني
    المعهد التاريخي للكبّوشيّين روما (ايطاليا)


    أقوال مأثورة في القدّيسة فيرونيكا

    - " إنّها ليست قدّيسة وحسب، إنّها عملاقة في القداسة " (الطوباوي البابا بيوس التاسع).

    - " إنّ المواضيع التي عالجتها البتول فيرونيكا بمساعدة أكيدة من الله، ستكون ذات منفعة كبيرة للذين يجتهدون لتحصيل الكمال المسيحيّ " (القدّيس البابا بيوس العاشر).

    - " هي منارة تشعّ قداسة، وقداستها كفيلة وحدها بأن تحصّن الكنيسة، بوجه سخرية واتهامات أكثر فلسفات الملحدين كبرياءً وشراسة " (القدّيس البابا بيوس العاشر).

    - " تستطيع هذه المرأة أن تدير أمبراطوريّة بأسرها " (المونسنيور أوستاكي أسقف شيتا دي كاستلّو).

    - " على رسالة القدّيسة فيرونيكا أن تبدأ في الكنيسة... يمكننا بحقّ اعتبارها المعلّمة بامتياز لعلم التكفير " (الكاردينال بيترو بالاتسيني).

    - " تُصنّف اليوميّات من بين أسمى الآداب الصوفيّة في كافّة الأزمنة " (الأب ميتوديو دا نبمرو الكبوشي).

    - " إنّ تصوف القدّيسة فيرونيكا يفرض ذاته كلّ يوم أكثر على انتباه الدارسين، ممّا جعلهم يصنّفوها في ذروة مصاف الأنفس المتصوّفة عبر كل العصور " (الأب جوكوندو باليارا الكبّوشيّ).

    - " كنتُ أقرأ فيرونيكا، تريزيا الأفيليّة وكاترينا السيانيّة: وكان هذا يغذّي صلاتي. لكن فيرونيكا هي مَن منحني حبًّا حيًّا للصليب، وادراكًا لدور الألم الخلاصيّ " (جان جواكيم بوفليه، كاتب).

    - " حينما سيتمّ، كما نأمل، إعلان "تلميذة الروح القدس" ملفانة، تكون سيرة حياة القدّيسة فيرونيكا قد اكتملت " (بيارو بارجيلّيني، كاتب).

    - " انّ القديسة فيرونيكا جولياني هي أسمى موضوع دراسة والأكثر ضرورة بعد الانجيل " (م. ف. دوس، الناطق باسم أكاديميّة العلوم في باريس).

    القدّيسة فيرونيكا في محطات تاريخيّة

    - 1660 , 27 ك1 : وُلدت في " ميركاتلّو ايطاليا "
    - 1677 , 28 ت1 : ارتداؤها الثوب الرهبانيّ واعطائها اسم فيرونيكا.
    - 1697 , 5 نيسان : نَيْلها السِمات بعمر 37 سنة، يوم الجمعة العظيمة.
    - 1710 : السيوف السبعة لآلام مريم تخترق قلبها.
    - 1712 : تسليمها كأسي دم يسوع ودموع مريم.
    - 1716 : انتخابها رئيسة دير بالاجماع.
    - 1727 , 9 تمّوز : وفاتها في الساعة الثالثة والنصف صباحًا ( بعمر 67 سنة 50 منها في الحياة الرّهبانية ).
    - 1773 , 22 أيار : تحوّل البيت الذي ولدت فيه إلى دير للكبّوشيّات.
    - 1804 , 17 حزيران : " البابا بيوس السابع " يعلنها طوباويّة.
    - 1839 , 26 أيار : " البابا غريغوريوس السادس عشر " يعلنها قدّيسة.
    - 1993 , 16 أيار : تطويب نائبتها الأخت فلوريدا شيفولي.

    القسم الأول
    حياة القدّيسة فيرونيكا



    "يا فرنسيس، إنّ ابنتك هذه هي المفضّلة بين كلّ عرائسي"!


    مقدّمة
    " قيل أنّكِ لستِ قدّيسة فحسب، بل أنتِ عملاقة في القداسة "(البابا بيوس التاسع), "قيل عنك إنّه ما من خليقة بشريّة، ما عدا أم الله، ازدانت بمواهب فائقة الطبيعة مثلكِ"(البابا لاوون الثالث عشر).

    قيل، بأصواتٍ علويّة (اليوميّات), أنّكِ قاهرة الجحيم ومُحرّرة المطهر وموزّعة ثروات السماء؛ اعتبرك المسيح أحبّ عرائسه على الاطلاق، وقال لك: " لقد انتظرت ولادتك منذ كلّ أزليّة "", ثمّ جعلك ترين ذات يوم، في لحظة انخطاف، نفوسًا ترتاح في قلبه الأقدس؛ وأفهمك أنّها نفوس الذين سوف يجتهدون في المستقبل لتعريف العالم إلى سيرة حياتك وكتاباتك.

    فطوبى إذًا لكلّ الذين سيتعبون في نشر التعبّد والإكرام لهذه النفس المختارة، لأنّهم لن يذيعوا مجدها فحسب، بل مجد ذاك الذي طابَ له أن يُظهر بواسطتها عظمته. فكم أنت عظيمٌ يا الله في ابنتك المختارة فيرونيكا جولياني! لقد ردّدت لها مرارا" أنّك ترغب في أن "يعرفها العالم بأسره لمجد اسمك، لتثبيت الإيمان ولانتصار المحبّة". فسعيدٌ من له نصيب في تحقيق رغبتك المقدّسة هذه، فهو يُقدِم على ذلك بنعمةٍ واختيار منك؛ لأنّ الأزمنة أزمنتك يا ربّ، "وألف سنة في عينيك كيوم أمس الذي عبر" (مز 90/4) لكيما "ترفع المتواضعين" (لو 1/52) وتجعل "العاقر أم بنين كثيرين" (مز 133/9).
  • الفصل الأوّل: الطفولة (1660 – 1677)

    وُلدت أورسولا من أبوين إيطاليّين، والدها فرنسوا جولياني، أمّها بنوات منشيني، زوجة عميقة التقوى، كانت تسهر بغيرة على نفوس بناتها السبع (اثنتان منهنّ توفّيتا بسن مبكرة). كانت تبثّ فيهنّ النفور من كلّ ما هو عالميّ، وتنشئتهنّ على مخافة الله.

    عُمّدت في اليوم التالي لولادتها: لا بكاء، لا صراخ، بل هدوء طوباويّ. إنّ طبعها الحيويّ ملأ المنزل فرحًا وحياة. كانت تلعب، تركض، تبكي، تحتدّ... ستقول عن ذاتها في اليوميّات: "كان الجميع يدعوني لهيبًا".

    على الرغم من حيويّتها وطبعها المتأجّج كانت تائقة بكلّيتها نحو الله. كانت تُحبّ أن تلعب في بناء المذابح، مُمضية في ذلك ساعاتٍ طوالاً.

    الفائق الطبيعة في صغرها

    - رفضها للحليب الأموميّ أيّام الأربعاء والجمعة والسبت، وهي، في الحقيقة الأيّام المكرّسة تقليديًّا للتوبة.
    - انزلاقها من ذراعيّ أمّها وهي في الشهر الخامس من عمرها، نحو صورة الثالوث الأقدس المعلّقة على الحائط، في يوم عيده، وركوعها أمامها منتشية.
    - تأنيبها لبائع زيت غشّاش، في السنة الثانية من عمرها، وقولها له: "أقم العدل! الله يرانا"!
    - كم من مرّة حملت الطعام للطفل يسوع في لوحة يُرى فيها محمولاً من العذراء: "تعالَ، خُذْ إن لم تأكل، فلن آكل أنا أيضًا". ومن ثمّ تتوجّه نحو العذراء: "أيا مريم، أعطني إيّاه، أستحلفك بذلك، أعطني إيّاه، فلا أستطيع أن أحيا دونه. سأغذّيه كما لو كنتِ أنت". وقد أضحى حيًّا بين يديها بضع مرات. وقد قال لها مرّة: "سوف أكون فعلاً عريسك"، "ثمّ خاطب أمّه الإلهية: "هذه أورسلتنا! ستكونين أمًّا ومرشدة لها"!
    - رؤيتها الطفل يسوع مرات عديدة في القربانة المكرّسة، وهي في سنواتها الأولى، وشعورها بعطر يخرج من أفواه أخواتها بعد المناولة: "آه يا لرائحتكنّ العَطِرة"!

    وفاة والدتها

    توفّيت والدتها وهي في الخامسة من عمرها، فجاء الكاهن يحمل إليها الزاد الأخير. فصرخت الطفلة: "أريده أريده!". "إنّه لأمّك"، قال لها بجديّة. فألحّت الطفلة: قطعة صغيرة فقط وسآخذه بأكمله، شأن أمّي".

    وقبل أن تسلم الروح، عانقت أمّ أورسولا بناتها الخمس، موصية إيّاهنّ بتنمية وتهذيب الحبّ الإلهيّ فيهنّ، وخصّت كلّ واحدة منهنّ بإحدى جراحات المخلّص. واستبقت لأورسولا جرح الجانب الأقدس. يا للرسم الإلهي: سوف تسكن أورسولا فعلاً في قلب يسوع.

    في الثاني من شباط 1670, اقتبلت أورسولا المناولة الأولى وهي في سنتها العاشرة. لم تستطع النوم في الليلة السابقة. كان يتردّد في داخلها دويّ صوت عذب:"أنا هو! أنا معكِ!"


    أحسّت بنار أحرقتها بعد المناولة. فلمّا وصلت إلى المنزل، سألت بسذاجة أخواتها: "كم من الوقت نحترق؟"

    لكنّ الناحية الأبرز منذ ذلك الحين هو حبّها للألم. فقد كان يُتلى في البيت حياة وأعمال القدّيسين.

    حبّها للألم الخلاصي

    كانت القدّيسة روزا من ليما قد سحقت طوعًا إصبعًا من أصابعها، أمّا أورسولا فقد سحقت أصابعها مجتمعة، بينما كانت إحدى أخواتها دون علم منها، تغلق الباب بعنف. أسرع الطبيب الجراح يعمل المِبْضع في اللحم."لماذا تعتنون بي؟ يجب أن نتألّم"! قالت الطفلة.

    ها هي تُدخل يدها في مجْمرة متّقدة. وقد تمّ إنقاذ اليد في اللحظة الأخيرة بوصول إحدى أخواتها.

    كانت تردّد: "يجب أن نتألّم". فبعد أنّ دعاها، من خلال العائلة، لتُضحي ذبيحة، ها هو يسوع يظهر لها مصلوبًا، مُثْخنًا بالجراح الدامية:"أنتِ عروستي، شريكتي في التكفير: الصليب ينتظرك".

    أخذت تعتاد على التضحية: "اماتة الحشريّة، اماتة النظر، إماتة اللذة وحبّ الأباطيل: عندما ابتيع لها حذاء جديد، جاءها فقير يطلب الحسنة حُبًّا بالله، فتذكّرت الطفلة كلمات يسوع.. فأهدته الحذاء... وقد علمت لاحقًا بأنّ المتسوّل كان يسوع نفسه.

    صراع دعوتها

    غدت الآن صبيّة جميلة. كان الأب يُرغِّبها بأزياء جميلة بحسب الموضة، آخذًا إيّاها إلى الحفلات؛ كان الشبّان يتملّقونها بكلام معسول... "لكنّها كانت ترمي باقات الورود من الشبّاك"... إنّها حرب بين العالم والله. قلبها الله، لكنّ الأصوات الإلهيّة أضحت خافتة تحت تأثير إغراءات هذا العالم... لكنّها كانت تشعر بجاذب دومًا أكبر نحو الصلاة. وبقدر ما كانت تسترسل بها، بقدر ما كانت تشعر بفراغ كلّ الإغراءات البشريّة.

    إنّه صراعٌ تصفه اليوميّات جيّدًا، تختبره كلّ الدعوات تقريبًا، ولو بمستويات مختلفة.

    ثلاث من أخواتها أصبحن ا رهبات. "سأصبح راهبة" كانت تجيب الجميع... وفي النهاية، ستنتصر على والدها الذي كان يُعيقها علنًا، ويريدها دومًا معه، قائلة له: "إنّي أحبّك. لكن عليّ أن أُحبّ الله أكثر منك. سأذهب إليه، وبتركي إيّاكَ أقودُك إليه".

    قبولها في الدير

    اختارت الدير الأشدّ فقرا" والأكثر تقشّفًا، وهو دير الكبّوشيّات اللواتي ينذرن قانون القدّيسة كلارا. وهؤلاء كنّ قد استوطنّ منذ فترة قليلة في شيتا دي كاستلو. أبدت الراهبات إعجابهنّ بشخصها وكلامها. نُصحت بزيارة الأسقف المسؤول، فوجدها فتيّة، وهي ابنة السادس عشرة، فرفض قبولها بحجّة اكتمال العدد.

    لكن، بينما أخذت تنزل الأدراج آسفة، عادت أدراجها: فها هي من جديد عند قدَمَي الأسقف، تُقبّل ثوبه وترجوه بحرارة أن يقبلها.

    بدأ فورا" بالفحص المعتاد، معجبًا بإيمانها وتصميمها. قدّم لها كتاب الفرض: "اقرأي". قرأت دون خطأ، دون تردّد أو تلعثم، فارتسمت ملامح التعجّب على وجه عمّها الذي يعلم بأنّ ابنة أخيه لا تعرف اللاتينيّة! أجابت عن الأسئلة بتواضع ودقّة متناهية، فتمّ تخطّي كلّ العوائق، وعُيّن موعد دخولها في 28 ت1 1677.

    لكن استمرّ الشيطان في هجومه: عانت أورسولا اضطرابات وقلقًا شديدًا...لكنّها تحدّت كلّ العواصف والعوائق.حلّ النهار الموعود، وتمّ إلباسها كعروسة المسيح: الأسقف يترأس ويتمّ المراسيم بفخامتها المهيبة. يسقط الشعر أمام المقصّ.

    بالهام سماوي، منحها الأسقف إسم "فيرونيكا" وتنبّأ عن قداستها المستقبليّة، موصيا الراهبات بالاعتناء بها لأنّها ستكون قدّيسة كبيرة.

    يُفتح باب الحصن... لنسمعها تخبر: "بدأتُ أنتزع عنّي كلّ الحلى والزينة. لم تُرِد ذلك السيّدات اللواتي يرافقنني، فقلتُ: لا أريد تقبّل الصليب مع هذه الأباطيل. فانزعوها عنّي بكلّيتها... وبينما كنت أتخلّص من ذلك كلّه، كنت أسعى جاهدة لأبقي فكري في الله، مكرّرة تقديم ذاتي للربّ. لم أُرِد رؤية أحد من الذين كانوا في الكنيسة. فما فتحتُ عينيّ إلاّ عندما وَطئتْ قدماي الحصن".

    هنا ستعيش فيرونيكا سنواتها الخمسين ببطولة فائقة.

    طوبى لها، طوبى لشيتا دي كاستلّو، طوبى لدير الكبّوشيّات الذين سيعاين السماء منفتحة فوقه بفَيضٍ لم يُرَ قطّ، الأمر الذي دفع الأسقف إلى القول: "لو أنّ المواطنين يعلمون ماذا يجري خلف جدران هذا الدير، لقبّلوا حجارتها من الخارج".
  • الفصل الثاني: التطهير ( 1677 – 1697)


    معركة بين الروح والجسد

    ما إن دخلت الدير حتّى بدأت المعركة: صراع بين ما ستدعوه "بشريّتي" التي هي "القسم السفلي""، عدوّة الخير، مُحبّة لما يُريحها، متشكّية، متأفّفة، مقاومة للتألم، للحرمان، للإماتة، للإتضاع، للطاعة"، وبين "الروح" الذي هو "القسم العُلوي الذي ينفتح على النور، وعلى الفعل الإلهيّ الذي يجتذبه، يَسوسُه ويَبثّ فيه القوّة والسخاء؛ يتوق دومًا نحو العلاء ويرغب في التقدّم دون توقّف في درب العذاب النقيّ، واقتبال إرادة الله النقيّة".

    مع "البشريّة" تلتقي الحواس، حُبّ الذات، الحكمة البشريّة، وكلّ المشاعر الناجمة عن إثبات الذات. أمّا في المجال الروحي، فتظهر شرهة في التعزيات الروحيّة، وفي البحث عن العذوبات والسكينة. وفي المقابل، ترتجف هذه الروح وترفع الصراخ حتّى النجوم، في كلّ مرّة تقدّم إليها كأس الجفاف، والدعوة إلى هجر الله، والتجارب.

    بين الروح والبشريّة يبدو الوفاق مستحيلاً. في الحقيقة، ليس ذلك سوى وجهٍ للثنائي جسد روح لدى القدّيس بولس: "إنّ رغبات الجسد مُضادة لله، لأنّها لا تخضع لشريعته، ولا يمكنها حتّى ذلك" (روما 8/6) فالمقصود بالجسد هو مجموع الميول الأنانيّة لدى "آدم العتيق"؛ وبالروح الإنسان الجديد اللابس المسيح، "إن كنتم قد قمتم مع المسيح فابتغوا ما فوق ... لا ما هو على الأرض" (كولسّي 3/1-3).

    لقد كرّست فيرونيكا لهذه المعركة الدراماتيكيّة صفحات وصفحات مليئة بالحيويّة، وب "خفّة الظلّ"، نجدها تردّد مرارا": "كانت بشريّتي تبكي بينما الروح يتهلّل"

    تجارب مختلفة

    ما أن وطئتْ عتبة الدير حتّى رأت فيرونيكا الربّ "يعيد" مع البلاط السماوي قائلاً: "لقد أصبحت هذه خاصّتنا منذ الآن" وسألها: "قولي لي ماذا تريدين؟" فطلبت فيرونيكا ثلاث نِعَم: "الأولى أن يمنحني نعمة أن أحيا بحسب متطلّبات حالتي (الرهبانيّة) التي ابتدأتها؛ الثانية ألا أبتعد أبدًا عن إرادته القدّوسة؛ والثالثة أن يُبقيني مصلوبة دومًا معه".

    وقد وعدني بمنحي كلّ ذلك قائلاً لي: "لقد اخترتُك لشؤون عظيمة، لكن يتوجّب عليك التألّم كثيرا" لأجل اسمي".بقيت هذه الجملة منطبعة في عقلي فكانت عونًا لي طوال سنين حياتي".

    بدأ الشيطان وبشريّتها فورا" يشعرانها بنفور من المكان، من العمل الديري واليدوي، من الصلاة المنظّمة والرتيبة، لكنّها ستكتشف فيما بعد قيمة الحياة النظاميّة، والعيش المشترك، اللذين ستتفانى في المحافظة عليهما فرديًّا وجماعيًّا.

    أمّا النفور الأقوى، فكان من الأشخاص: كنتُ أبحث في التفكّر بآلام الربّ، وأقول لنفسي: "يا فيرونيكا تذكّري بأنّك أتيتِ للتألّم، لذا أصمتي...". وكنتُ أشعر ذاتي تثور، راغبةً القيام بردّات فعل؛ لكنيّ كنت أتخطّى ذلك بمعونة لله.

    كنتُ أحاول عدم إظهار شيء، وأعمل عكس ما كان يوافق بشريّتي وحواسي... وكنت أشعر بأنّ معدتي تتمزّق من تعنيفي لذاتي..." وكانت في "يوميّاتها" تتّهم ذاتها بقلّة التواضع: "وكان سبب كلّ ذلك عدم امتلاكي روح التواضع والفضيلة الحقيقيّين..."، وتضيف: "كنتُ أذهب لأصلّي لأمثال تلك الأخوات، عندما لم أكن أستطيع القيام بغير ذلك...".

    أخذت تسمع أنّ بعض أسرارها تُذاع.. فقدت الثقة... انغلقت على معلّمتها، على المسؤولة، بل حتّى على المعرّف. "آه كم عانيتُ بسبب ذلك! كان الشيطان يجرّبني كلّ مرّة، خصوصًا في الكتمان عن المعرّف...". وسندرك فيما بعد أنّ الشيطان قد توصّل إلى اتخاذ شكل المعلّمة، فنصحها بعدم الانفتاح على المعرّف، آمرا" إيّاها بأن تُبقي ذلك سرا"... كذلك توصّل إلى لبس شكلها لكي يحرّض أخواتٍ أخريات ضدّ الأم الرئيسة.

    كان الشيطان قد تلمّس حقيقة عدوّته المستقبليّة الكبيرة، وبدأ الهجوم عليها.

    أدّت فيرونيكا خدمات ووظائف عدّة: نقل الماء من البئر، ممرّضة، طبّاخة... وقد جرى انتخابها مرّتين كمعلّمة الابتداء.

    الصلبان والآلام هي أفراح وانعام

    وللتجاوب مع المقدار الكبير من الحبّ الذي سيملؤها به الله، كان الحبّ يجعلها تقوم بضروب من الجنون: تصرّخ، ترتّل، تقرع الأجراس خارج وقتها، تدعو الأخوات، تركض في البستان في ساعات الليل الحالكة، تتسلّق الأشجار لتدعو الخطأة إلى التوبة... خارجة عن ذاتها، دون أن تتمكّن من قَمْع اندفاعها وحماسها.

    ستردّد مرار: "إنّ مدرسة الحبّ، الحبّ الحقيقيّ، هي الألم... والكتاب ليس سوى يسوع المصلوب". وكم مرّة سوف تُردّد: "يا إلهي! نفوس! أطلبُ منك نفوسًا" وكان صوت يجاوبها: "إشتريها بنقود الألم".

    - سألها يسوع ألاّ تغتذي سوى به، (وسمح لها بالمناولة يوميًّا، في حين كان مسموحا بها مرّتين في الأسبوع). وأمام رَفْض المسؤولين، عدّلها إلى خبز وماء. ولمّا لم يتمّ الحصول حتّى على ذلك، جعل معدتها ترفض وتتقيّأ أي طعام آخر، إلى أن وافق الرؤساء.

    - طلب منها السَيْر حافية القدمين؛ وأمام رفض السلطة التي كانت تخشى التفرّد، انتفخت قدماها بشكل غير قابل للتفسير. أقرّ الطبّ بعجزه عن شرح هذه الظاهرة، سقطت الموانع، ونالت الموافقة... فعادت قدماها طبيعيّتين.

    - جعلها تشرب عدّة م اّ رت كأس م ا ررة بستان الزيتون، وكان مُرا" لدرجة أنّ كلّ ما يحيط بها أضحى مُرا" بشكل مميت: الطعام، الماء، الهواء... حتّى إنّها غابت عن الوعي... ووصلت إلى ذرف دموع من دم... وارتفاع حرارتها إلى مستوى يهدّدها بالموت.

    - كلّلها يسوع بالشوك مرات عدّة، مُسببًا انتفاخًا غير طبيعيّ في الرأس، لم يستطع الأطبّاء معالجتها... أشواك دخلت الجمجمة، الرأس، الصَدْغين، الأذنين، العينين... حتّى إنّها سقطت أرضًا كالمائتة: "ستشعرين بهذه الأشواك طيلة حياتك تقريبًا" قال لها يسوع وهو ينْهِضُها.

    - تحمّلت جَلْدًا بأيدٍ غير منظورة حتّى سالت دماؤها أرضًا...

    - وضع يسوع صليبه الثقيل للغاية على كتفها، حتّى إنّ العظم بقيت ملتوية مدى حياتها، كما سيؤكّد التشريح...

    - تكرار "الاعتراف العام" الصوفيّ الرهيب، حيث كان قلبها ينفطر لرؤية كلّ إهاناتها لله، ويسبّب لها قلقا مميتا كانت تُقدّمه لارتداد الخطأة خاصّة الذين يجدون صعوبة بالتقدّم من سرّ الاعتراف...

    لائحة صغيرة بالنعم الفائقة الطبيعة (قبل 20 سنة من وفاتها)

    - خمسمئة مرّة جدّد لها يسوع ألم القلب المطعون بالحربة، جارحًا إيّاها مئة مرّة بجرح خفيٍّ (وأحيانًا منظور).

    - ثلاثًا وثلاثين مرّة جعلها تنال عذابات الآلام بكليّتها.

    - ستّون مرّة جدّد لها الاحتفال بالأعراس الإلهيّة.

    - حرّر يده عن الصليب ليضمّها إليه ثلاث مرات.

    - ألصق فمها على جرح قلبه تسع مرات.

    - أعطاها شرابًا مُنعشًا من جنبه الأقدس خمس مرات.

    - غسل قلبها بدم قلبه خمس عشرة مرّة.

    - نزع منها قلبها اثنتي عشرة مرّة ليُطّهره من الهفوات الأكثر دنسًا.

    - ضمّ نفسها مئتي مرّة إضمامة حُبّ، ما عدا الإضمامات الأخرى المنيرة التي هي شبه دائمة. وقد نوّرها مرات لا تحصى بأنوار داخليّة حول الفضائل والأسرار، وحول معرفة ذاتها ومعرفة الله.

    وبالرغم من كلّ هذا التألّم المتواصل الذي اضطرّ يوما الأسقف والمعرّف للهروب أمام هَوْل بعض مشاهد الآلام التي تجدّدت فيها قال لها يسوع فادينا: - "إنّ آلامك ليست سوى شرارة من أتون آلامي".

    في نيسان 1693, أعطاها الأب بستينالي مُعرّف الدير أمر الطاعة ببدء كتابات "اليوميّات"، طاعة سوف يعيد الأسقف تثبيتها.

    في 5 نيسان 1697, يوم الجمعة العظيمة، ستنال السمات الظاهرة: خمس شعاعات تخرج كسهامٍ مشتعلة من يسوع المصلوب وتخترق يديها، رجليها وجنبها، فتجعلها مصلوبةً مع عريسها المصلوب. إنّها الراهبة الأولى الموسومة في تاريخ الكنيسة.
  • الفصل الثالث: الاستنارة (1697 – 1717)


    تفحّص السمات

    سجّل نَيْل السِمات لدى فيرونيكا جولياني ذروة مسيرة التشبّه بالمسيح المصلوب؛

    أخذت روما على عاتقها مهمّة تمييز ما يحدث مع موسومة شيتا دي كاستيللو. سيقول لها الربّ (آب 1697) "تهيّئي للعذاب الكبير" فرأت ذاتها تُخضَع لامتحانات وفحوص مزعجة، وتذليلات كبيرة. وقد حُرِمَت في شهر تمّوز 1699 من حقّ التصويت، وتمّ سجنها في المستوصف لمدّة 11 يومًا بعد انقطاع كامل عن أي اتصال.

    لا يمكن لعقل أن يعي تقريبًا ما اضطُرّت لتحمّله خارجيًّا وداخليًّا. لكن كلّ شيء سيتّضح ويسكن شيئًا فشيئًا بفضل تواضعها واتضاعها الكبيرين. وقد كان هدوءها في قبول استجوابات واختبارات مزعجة للغاية، ما أقنع الجميع بأنّ الله هو الفاعل فيها، حتّى ولو بشكل يُربك العقل. والعلامة الأكثر اطمئنانًا التي أعطت الضمانة بأنّ ما يجري معها هو من صُنع الله، كان نور معرفتها لذاتها والتألّم من خطاياها يُضحيان دومًا أكثر تعمّقًا لديها بعد كلّ ظاهرة صوفيّة.

    تطهير أكبر لروحانيتها وتعميق مفهوم الألم

    بعد نيلها السمات، أخذت تتّجه نحو آلام الفادي الداخليّة، فأضحى عذابها أكثر حميميّة، أكثر خفاء، مُرْفَقًا بمقدار أدنى من التعزيات.

    ستنحصر إماتاتها من الآن فصاعدًا في رفض واعٍ وتنبّه من الإرادة الذاتيّة، لحبّ الذات، لأي إرضاءٍ شخصيّ، وفي هبة الذات السخيّة للأخوات المشكّلات الجماعة من خلال أعمال الخدمة.

    فنجدها تردّد عبارات كهذه: "لم أعرف يومًا أن أصلّي... أجد ذاتي مجرّدة من كلّ الفضائل... ليس فيَّ ظلّ فضيلة... لم أمارس المحبّة الحقيقيّة قط... لم أمارس يومًا التألّم الحقيقيّ... لا للمحبّة بالكلام بعد اليوم، بل الأعمال والأفعال... أريد تبديل حياتي".

    في هذا التطهير، سنرى الأهميّة المتصاعدة التي تعطيها لسرّ الاعتراف، وللقيام بخلوات غير اعتياديّة ذات طابع صوفيّ وتقشّفي. في الحقيقة، ليس ذلك سوى تطهير لكلّ ما يمكنه أن يُعيقها عن درب الاتحاد بالله. فبلغت في نهاية هذه المرحلة ما تدعوه الغَرَق في الله، الكينونة في الله.

    اختبارات القلب

    يتمحور القسم الأعظم من الاختبارات الكبيرة والحميمة للقدّيسة حول القلب: تأجّج، اندفاعات؛ جراحات، سهام، "طبع" أدوات الآلام عليه، كما آلام مريم الكليّة القداسة، والأحرف التي ترمز لبعض الفضائل. خير معبِّر عن هذه الاختبارات هو ظاهرة تبديل قلبها بقلب الربّ. يستحيل التصديق: أحيانًا ينتزع قلبها من صدرها من أجل تنقيته! ينتزع حقًّا!..

    أحيانًا أخرى يكون لديها قلبان في صدرها: قلبها وقلب يسوع؛ الأوّل يقرع بشكل اعتياديّ، بينما الثاني يرفع لها قفصها الصدريّ، تسمعه الأخوات من بعيد، ويشعرنَ بأنّها تحترق من جراء نار الحبّ المتملّك في هذا القلب الإلهيّ (الثاني): لإراحتها، يغمسن يديها في الماء: يا للأمر الذي يعجز تصديقه! تبدأ المياه فورا" بالغليان.

    دور مريم

    لكن الأبرز، هو الموقع الجديد الذي تحتلّه العذراء مريم بطريقة متزايدة، ليس فقط في تقوى القدّيسة فيرونيكا، بل في كلّ ما تحياه من أمور صوفيّة، بحيث "تحتلّ تقريبًا مكانة يسوع المسيح"، بصفتها أمًّا تقود القدّيسة، إلى حبّ ابنها والأمانة له، كما إلى السجود والتأمّل بالثالوث الأقدس.

    في 29 نيسان 1700 وجدت فيرونيكا ذاتها مقبولة مباشرة من مريم الكليّة القداسة كتلميذة لها. ومنذ 24 ك1 1702 تلقّت (من السماء) اسمًا جديدًا:"فيرونيكا ليسوع ولمريم". سنة 1703, تمّ إعادة انتخابها كمعلّمة الابتداء، فباشرت ابتداءها الجديد ك "مبتدئة مريم"؛ وفي تموز 1705 شكّلت قلوب يسوع ومريم وفيرونيكا قلبًا واحدًا. في 21 ت2 1708, كتبت فيرونيكا إعلانًا علنيًّا تؤكّد فيه وَهْب ذاتها لمريم كخادمة. سنة 1711 أخذت "الأمانة" التي كانت تربطها قبلاً بالعريس الإلهيّ تتّجه نحو العذراء كنقطة وصول مباشرة... وأخيرا" سنة 1715 اختبرت نِعَم الاتحاد الصوفيّ من خلال التداخل مع نفس مريم.

    فيرونيكا والمطهر

    من أجل حثّها على خلاص الخطأة، كان الله قد أظهر لها الدينونة وجهنّم، ولتشجيعها على تحرير الأنفس، ها هو يريها الآن المطهر. تراه وتذهب إليه كلّ ليلة تقريبًا، كما تشهد بذاتها:"لقد أمضيتُ هذه الليلة كالمعتاد في المطهر، وسط النار، الجليد، العذابات، الآلام، مهجورة ودون أي سند. لتكن مباركة إرادة الله...".

    تقول: "إنّ عذابات المطهر مهولة، لدرجة أنّ ما من عقل بشريّ يمكنه فهمها... نموت من الألم؛ نولد من جديد لنتألّم أكثر... ما هي آلام الشهداء إذا قيست بآلام المطهر؟ لا شيء. فلو افترضنا إمكانيّة عودة نفس ما إلى الأرض لكانت مستعدّة لمواجهة كلّ الاستشهادات تجنّبًا للمطهر... كلّ دقيقة هي بمثابة أبديّة... أعتقد بأنّ كلّ أصناف العذابات التي استعملت لتعذيب الشهداء هي كلا شيء ان قورنت بأدنى عذاب من عذابات المطهر".

    وتُفهمنا القدّيسة في موضع آخر، أنّه ليس الله من يرسل بقساوة الأنفس إلى المطهر، بل إنّ النفس عينها، ناظرة بوضوح في دينونتها الشخصيّة صلاح الله اللامتناهي، والإهانات المُلحقة به من جراء خطايانا، تهرب بطيبة خاطر إلى المطهر، راغبة في التطهّر، لكي تستطيع التقرّب من جديد من هذا الإله الصالح.

    ستقول لها السماء: "أنت معونة الأنفس المطهريّة".

    بالغ المعرّفون في جعلها تكفّر عن العديد من نفوس الأهل والأصدقاء، وغيرهم: لقد كفّرت مثلاً عن والدها فرنسوا جولياني، عن الحبر الأعظم إكليمنضوس الحادي عشر، عن العديد من الآباء المعرّفين، عن عدّة راهبات معاديات لها؛ وكانت تلتجئ الى وساطة العذراء مريم التي قالت لها يوما: "أنا هي من يطلق سراحها". فتخرج الأنفس ناصعة البياض، مُشعّة بالنور وتطير نحو السماء.
  • الفصل الرابع: تحت قيادة مريم الكليّة القداسة (1717 – 1727)


    رئيسة للدير

    الراهبات أرَدْنها أُمًّا مسؤولة، فانتُخبت في 5 نيسان 1717 , وسوف يُعِدن انتخابها تكرارا" حتّى موتها. أخذت الدعوات تهطل فورا" بأعداد كبيرة، اضطُرِرْنَ معها إلى ر فع العدد المحدّد في نصّ التأسيس؛ وازدادت أيضًا التقادم، حتّى أنّه بدأ الشروع قبل نهاية السنة المباشرة، بأعمال بناء قسم جديد من الدير. وقد تمّ تسديد كلّ النفقات من قِبَل العناية الإلهيّة وحدَها.

    جميع المبتدئات اللواتي مَرَرْن تحت يدها، حفظن لها الثقة البنويّة، وسِرْنَ ببطولة في الدرب الذي خطّته لهنَّ.

    كانت تدعو الأخوات إلى "سكب صلواتهنّ للمحسنين بالتواصل عينه الذي يستمرّ تدفّق المياه في النبع".

    قيادة العذراء مريم لها

    كانت فيرونيكا تعزو كلّ النجاحات إلى قيادة العذراء المباشرة، فهي التي وعدتها بأن تكون الأم الرئيسة؛ وكانت القدّيسة، قد وضعت أمام تمثالها، فورا" بعد انتخابها مسؤولة، مفاتيح الدير، القانون، وخَتْم الرهبنة، قائلة للأخوات: "ها هي، ها هي أمّنا الرئيسة".

    "يا ابنتي اطمئنّي: أنا المسؤولة، لن ينقص شيءٌ ضعي كلّ رجائك بي، اثبتي في الإرادة الإلهيّة، عيشي باطمئنان... سأحمل أنا المسؤوليّة، بحسب رغباتك؛ سيؤول كلّ شيء نحو الأفضل".

    كانت مقتنعة بأنّ مريم كليّة القداسة هي من تُرسل الدعوات، من تحرّك إرادة المحسنين، من يمنح الطواعية للأخوات، وفوق كلّ شيء، من يُلهِمها كيف يجب عليها أن تتصرّف في كلّ الشؤون.

    تشعر بها حاضرة بشكل مميّز، عندما تترأس "مجمع الاستغفار"، الذي كانت فعاليته ملحوظة للغاية تمامًا، لأنّ مريم الكليّة القداسة، كانت تطرح عليها ما يجب أن تقوله لكلٍّ من الأخوات، وتلقّنها التحريضات الحارّة الموجّهة للجميع، كما يتبيّن ممّا يلي:
    "... هنا، عند أقدام مريم الكليّة القداسة، لنقصد جميعنا تبديل حياتنا، لنَصِل إلى حياة الراهبات الحقيقيّات والقدّيسات؛ وصلّين من أجلي أنا المسكينة... قلت للنائبة بأن تلجأ مرارا" إلى جراحات يسوع، والى قلب مريم المتألّم؛ وبأنّ تفكّر بمن جَرَّح الابن وألّم الأم... من المؤكّد أنّ كلّ خطايا العالم تسبّبت بذلك، لكن بالأخصّ خطايانا. فلتتمرَّ كلّ واحدة منّا في جراحات يسوع وفي قلب مريم.ولنقصد تبديل سيرتنا. آمين".

    وتختم قائلة: "لدى ابتدائي بصلاة الختام، وعيْتُ أنّي قد أتممت المجمع. ليكن كلّ ذلك لمجد الله ومجد مريم الكليّة القداسة! فهي من قال وصنع كلّ شيء".

    تكون مريم أحيانًا حاضرة جسديًّا وحقًّا بدلاً عنها. وانّ الراهبات ستشهدن بأنّ نبرة صوتها كانت عذبة لدرجة أنّها كانت تسحر قلوبهن.

    منذ سنة 1720, بدأت الأم السماويّة تملي عليها ما يجب كتابته... إنّها صفحات مليئة بالنور، ستبلغ نهايتها في 25 آذار 1727 عندما قالت لها مريم للمرّة الأخيرة: "ضعي نقطة!"، وهكذا يكون لدينا سبع سنوات من الكتابات الصادرة من شفتَي والدة الله!"

    حبّ وألم

    منذ سنة 1714, بلغت بالفعل الإلهيّ في نفسها إلى حدّ الذروة. إنّه تذوّقًا مسبقًا لمائدة الحبّ الأزليّة، هو تذوّق حميم يفوق كلّ ما اختبرته حتّى الآن، ويُستحال وصفه... إنّ اليوميّات بأسرها مملوءة بهذا الإله المجنون بالحبّ"، "بحر السلام والحبّ" حيث كانت تسبح، عندما كان يختطفها إليه هذا الإله المالك، المسيطر، الفاعل، الذي لا يمكن وصفه ولا إدراكه، الإله المتناهي...

    كذلك مضت فيرونيكا في الألم حتّى النهاية. تتألّم بتجرّد شامل، دون أن تتيقّن من إتمامها إرادة الله. إنّه تألّم جديد غير واعٍ ، مختلف جدًّا وأعمق بكثير من ذلك "التألّم مع الشعور". هذا هو التألّم العاري! لكن وعيها لرسالتها التكفيريّة لا يغيب، بل يأخذ دفعًا جديدًا في قولها الثلاثيّ "نعم، نعم، نعم! أكثر، أكثر!". مصلوبة حتّى النهاية، سيظلّ يتدفّق من جراحاتها دم حتّى 17 أيلول 1726, عيد جراحات القدّيس فرنسيس.

    فيرونيكا والقدّيسين

    كان حبّ القدّيسة فيرونيكا للقدّيسين كبيرا فكانت تلتجئ باستمرار وبتواضع لشفاعتهم. للقدّيس فرنسيس "الأب القدّيس" وللقدّيسة كلارا "الأم القدّيسة" المنزلة الأولى. ستنال كلّ سنة في عيدهما نِعَمًا خاصّة.وكان لديها منزلة خاصّة للقدّيس يوسف، ولعديد من القدّيسين الآخرين كالقدّيس فيلبّس النيري، القدّيس أغناطيوس من لويولا، القدّيس أنطونيوس البادواني، القدّيس يوحنّا الحبيب، القدّيس أندراوس الرسول الذي كان يطيب لها سلامه للصليب: "أيّها الطبيب الصالح".وكان للقديس بولس الرسول الذي كانت تدعوه "قدّيسي الرسول بولس"، منزلة فريدة لديها.

    فيرونيكا والملاك الحارس

    ولا نستطيع أيضًا إهمال دور الملاك الحارس الهامّ، الذي لم يغب أبدًا عن القدّيسة فيرونيكا: هو من كان ينهضها عندما كانت تسقط تحت ثقل الصليب؛ يحامي عنها عندما كانت الشياطين تهاجمها؛ يعاونها في ساعات الدينونة الخاصّة الرهيبة، كما في ساعات الأعراس المفرحة؛ أحيانًا كان يناولها باسم يسوع؛ كان رسولَ مريم الكليّة القداسة لديها، عندما كانت الطاعة تفرض عليها أن تتواجد في موضعين في الوقت نفسه: كان يأخذ شكل نور أبيض، يعمل في غرفة المونة، يطهو الأطعمة...

    وعندما شارفت على نهاية حياتها، وقد وصلت إلى قداسة أرفع، بعث لها بعدّة ملائكة حراس يسهرون عليها، لكونها أضحت عرضة لهجومات جهنميّة أفظع من أي وقت آخر: "ملائكتي"، كانت تسمّيهم في كتاباتها؛ هم من كانوا يرافقونها في زياراتها لجهنم. كانت كثيرة التعبّد وعرفان الجميل للملائكة الحراس، حتّى أنّها استحقّت أن يكشف الله لها الحقيقة المذهلة التالية: عند انتخاب كلّ حبر أعظم جديد، تمنحه السماء عشرة ملائكة حراس آخرين لإعانته. إنّه خبر أبكى من الفرح والتأثّر الطوباوي البابا يوحنّا الثالث والعشرين، عندما قرأ ذلك بنفسه.

    موت القدّيسة

    في 6 حزيران, بدأت تعيش نزاع متواصل حتّى 9 تمّوز 1727 عندما طارت نفسها إلى السماء بالطاعة. وكانت قد أوصت الأخوات بحفظ قانون الرهبنة العزيز، وبالطاعة للمحبّة الإلهيّة، وبمحبّة بعضهنّ البعض؛ ثمّ جعلتهنّ يقبّلن المصلوب.

    كانت الأخوات يرافقونها مع المعرّف دون أن يدركوا كيف أنّها لا تزال قيد الحياة، تنظر بتوسّل إلى الأب المعرّف. فَهِم في النهاية الأب المعرّف، باستنارة داخليّة، أنّ هذه النفس التي عاشت دومًا بالطاعة، لا تستطيع أن تموت سوى بالطاعة. فمنحها إيّاها متأثّرا"، بين نحيب الأخوات اللواتي رأينها تبتسم للمرّة الأخيرة.

    ثمّ طارت نفسها المباركة إلى السماء فورا"، بيضاء كالحمامة!

    وقد كانت كلماتها الأخيرة: "الحبّ كشف عن ذاته! هذا هو سبب تألّمي. قولوا ذلك للجميع، قولوه للجميع!".


    دفنتها المجيدة

    "لقد ماتت القدّيسة! لقد ماتت القدّيسة!" هذا ما أخذ يتردّد في المدينة، وسط هروع الناس على دويّ الأجراس. كلّ المدينة نزحت؛ وعندما استطاع أخيرا" الشعب دخول الكنيسة، حدثت فوضى كبيرة لدرجة أنّهم اضطرّوا لإعادة الجثمان إلى داخل الدير.

    وفي الغد خلال الدفن الاحتفالي، تواجدت كلّ طبقة النبلاء، الحاكم، الإكليروس... كان ذلك تمجيدًا حقًّا.فبالرغم من حياتها الخفيّة، فإنّ صيتها وشهرتها كانا قد أضحيا شبه عالميّين منذ حينها:يكفي أن نذكر بأنّ دوق توسكانا والأمبراطور كارلوس الثاني اضطرا أن يكتفيا ببعث موفدين ليتوسّلا معونتها وأنوارها؛ فقط "فيولند دو بافيير" نالت إذنًا لدخول الدير، فشفيت عيناها فور نظرها السمات.

    التطويب والتقديس

    وبدأت سريعًا دعوى التطويب، مع شهادات شفهيّة من الأخوات، المعرّفين، الأطباء... شهادات غير اعتياديّة لا مثيل لها تقريبًا. في 25 نيسان 1796 تمّ إعلان المرسوم البابويّ لبطولة فضائلها. في 17 حزيران 1804, تمّ تطويب فيرونيكا على يد البابا بيوس السابع، وقد احتفلت شيتّا دي كاستيلّو بهذا الحدث بتهافت كبير من المؤمنين المبتهجين بإكرام تلك التي كانوا يعتبرونها فخر الكنيسة ومجد المدينة. وبعد تأخير طويل، سببه كلّ تلك العداوات في الحقل الاجتماعي، تمّ تقديسها في أيار1839, من قبل البابا غريغوريوس السادس عشر.

    تشريح القلب

    قبل الدفن جمع الأسقف الحاكم "طوريجياني"، الرسام "أنجيلوشي"، الطبيب "بورديكا"، الجراح "جنتيلي"، ناظر الماليّة "فابري"، كاتب العدل الرئيسيّ، معرّفي الدير ونبلاء المدينة للبدء بعمليّة التشريح. فاستخرجوا قلب المائتة وفتحوه. كان الجرح عميقًا لدرجة أنّه كان يخترقه من جانب إلى آخر. كان متواجدًا منذ ثلاثين سنة، وقد بقيت حيّة بخلاف كلّ نواميس الطبيعة؛ وبدل النتانة التي كان يمكن انتظارها، خرجت منه ا رئحة فردوسيّة.

    فحصوا القلب: فماذا رأوا؟ رأوا في اللحم مطبوعة، صورة ذلك الرسم الذي كانت قد رسمته القدّيسة منذ سنوات؛وقد طُبع فيه: الصليب، إكليل الشوك، الرمح والقصبة مترابطين، الكتابة، المطرقة، المسامير، راية المسيح الملك، الشعلتان اللتان ترمزان إلى محبّة الله ومحبّة القريب، سبع سيوف العذراء المتألّمة، والحرف الأول من كلّ من اسميّ يسوع ومريم، مع تلك التي للفضائل الكبرى. وأظهر التشريح أموارا" أخرى فائقة الطبيعة علاوة على الالتواء العجائبي لعظمة الكتف...

    هل سجّل التاريخ رائعة مماثلة كهذه؟



    أضحت الأعجوبة الحيّة الآن في السماء. وبقيت معنا من خلال شفاعتها القديرة جدًّا، جسدها المقدّس، العديد من الأدوات العجائبيّة والتذكارات المقدّسة، قناع الشمع الذي خلّد ملامح وجه القدّيسة لحظة موتها، وبالأخصّ يوميّاتها الفريدة، المدعوّة بحقّ "الكنز الخفيّ"

    أيّها القراء، اعملوا على زيارتها، على معرفتها، على الصلاة لها ومحبّتها! إنّها مستحقّة ذلك فعلاً!
  • تعاليمها



    قال لها الربّ:


    "كلّ ما تلمسينه خلال الصلاة، سأباركه... ستكونين حاملة راية محبّتي... جراحاتك ستكون حمايةً لكِ وللآخرين... لقد أغنيتك بكلّ الكنوز، لفائدة العالم... لقد جعلتك موزّعة كنوز السماء...".

    مقدّمة

    "أمام ظاهرة فيرونيكا جولياني، لا يمكننا أبدًا أن نقف موقف ذوي الروحانيّة الزائفة" الذين يركضون باحثين دومًا عن الفائق الطبيعة، وموقف رجل العلم الذي لا يمكنه تخطّي الأطر التحليليّة، بل موقف موسى أمام العلّيقة المشتعلة دون أن تحترق: "أريد أن أقترب لأرى هذا المشهد العظيم" (خروج3/3), هذا ما قاله الأب العلاّمة اريارتيه الذي أعلن أيضا "أنّ متصوّفة شيتّا دي كاستيلّو الكبّوشيّة هي حالة فريدة من نوعها بين القدّيسين.إنّها كذلك أوّلاً لأجل تعدّد وفرادة اختباراتها الصوفيّة! فليس هنالك من ظاهرة روحيّة أو جسديّة من الظواهر المسجّلة في سير القدّيسين، إلاّ واختبرتها ووصفتها؛ وقد امتازت بظواهر أخرى غير معروفة إطلاقًا. أفليس في دعوتها للمشاركة في عذابات السيّد المسيح أو في سرّ الآلام، وفي سوى ذلك، خروج عن المألوف؟فما من أحد تألّم على هذا الحدّ، أو تمتّع بالألم بمقدار ما تمتّعت به قدّيستنا".

    نستطيع الآن أن نفهم أكثر قول الكاردينال بلاتزيني: "لا يزال على رسالة القدّيسة فيرونيكا أن تبدأ في الكنيسة!رسالة أعلن الربّ نفسه أنّها ستكون "لانتصار المحبّة وتثبيت الإيمان". لذا يتابع الكاردينال قوله: "إنّ رسالة القدّيسة فيرونيكا هي رسالة نبويّة كبيرة، يبدو وكأنّها حفظت خصّيصًا لزمننا هذا: لتصحيح التواءات خطرة، للذين يجدّون السعي في البحث عن مسيحيّة دون صليب، والذين يتأقلمون بطيب خاطر في فيض الخيرات الاستهلاكيّة التي دعا السيّد المسيح الجميع إلى الاكتفاء بالضروري منها، والأقوياء إلى التجرّد عنها".

    لكنّها أيضًا، وفوق كلّ شيء، رسالة نبويّة بوجه "العقلانيّة" التي تفرغ الإيمان من بُعده الفائق الطبيعة: يبقى العقل مذهولاً ومرتبكًا أمام تدفّق العنصر الإلهيّ في الأحداث اليوميّة التي كانت تحياها القدّيسة. إنّه الله من يريد إرباك العقلانيّة من خلال امرأة ضعيفة؛ فإن كان صحيحًا أنّ الإيمان والعقل لا يتضادّان، فمن الصحيح أيضًا أنّ على العقل أن يعترف بمحدوديّته، حانيًا رأسه أمام الإلهيّات.

    لذا، ونحن نتأمّل التعاليم المستقاة من "اليوميّات"، لا بدّ من ابراز:

    طاعة القدّيسة لله وللكنيسة المقدّسة. . والطاعة لممثّلي الله: فكانت تدعو البابا: "المسيح على الأرض"... حتّى غدت توقّع: "ابنة الطاعة".

    تواضعها:كانت تعتبر ذاتها غير أهل للعيش مع أخواتها... وكم كان يصعب عليها الكتابة عن ذاتها في "اليوميّات"، وكم كانت تخجل من علامات "السمات الخارجيّة "، طالبة من الله إخفاءها.

    حبّها للفقر: كانت تعتبر الفقر الشرط الضروري للوصول إلى الحبّ، محذّرة من الرفاهية والرخاوة التي يحيا العالم بها في أيّامنا هذه، حتّى في ما بين المكرّسين والرهبان.

    تعبّدها للثالوث الأقدس: حتى استحقّت عن جدارة أن تدعوها مريم الكليّة القداسة: "ابنة الآب، وعروسة الابن، وتلميذة الروح القدس".

    وللقربان الأقدس: فكانت القدّيسة تسمّيه "اختراع الحبّ الكبير"... فتلتجئ إليه طالبة النعم الأكثر صعوبة؛ يكفينا أن نذكر بأنّها كانت تُختطف متّحدة بالله بعد كلّ مناولة تقريبًا...

    حبّها للصلاة: فكان هاجسها الأساسيّ تحسين الصلاة وتطويرها، وتأليف اتّحاد كبير من الصلاة لخلاص النفوس، كما سنرى لاحقا.

    غير أنّنا في استقرائنا "لليوميّات"، سنتوقّف عند التعاليم التالية، لما لها من أهميّة بالغة في تثبيت الايمان وانتصار المحبّة (الحقيقيّة) في حياتنا:

    - حبّ الله اللامتناهي.

    - الواقع المخيف لجهنّم وللأرواح المتمرّدة (الشياطين).

    - علم التكفير.

    - دور العذراء مريم الكليّة القداسة الذي لا يُستغنى عنه.
  • الفصل الأوّل: حبّ الله اللامتناهي

    الله محبة

    الله محبة (1 يو 4/8). إنّها الحقيقة الأجمل والأكثر بعثًا على الطمأنينة. إنّها أساس البناء الروحيّ والإيمانيّ المسيحيّ بأكمله، لا بل للبشريّة بأسرها. الله (لو 18/19) لقد خلق كلّ شيء بمحبّة، ولأجل المحبّة.

    انّ تاريخ كلّ إنسان، يُقرأ بالمنظار التالي: لديّ في السماء أب صالح، هو المحبّة بذاتها، وهو أبي الذي يسهر عليّ ويحوّل كلّ الأمور إلى ما يؤول لخيري، إن كنت أؤمن به، وألجأ إليه، وأضع ثقتي فيه، وأدعوه للقيام بذلك.

    لا يمكن دخول الملكوت إلاّ عبر براءة الأطفال وثقتهم بالله: "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى 18/3). انّ ذلك الملكوت هو الحبّ بالذات، هو النور بالذات، هو السلام بالذات

    هذا ما نتعلّمه من حياة القدّيسة فيرونيكا. فهي باستسلامها ووعيها العميق لصغرها، بل لصغر كلّ خليقة أمام الخالق، قد أعطيت أن "تسبح في الله" و "تذوب في الله"، في الحبّ، وقد ختمت حياتها الطوباويّة بهذه الكلمات:"المحبّة كشفت عن ذاتها! هذا هو سرّ تألّمي! قولوا ذلك للجميع! قولوا ذلك للجميع!" لماذا لا يتمّ فهم الألم والقبول به إلاّ عن طريق الحبّ؟

    سرّ الحبّ والألم

    لأنّ الله قدّوس؛ والحياة الأبديّة هي الاتحاد بالله، ب "القدّوس"، بالقداسة عينها. فلن نستطيع الاتحاد به إن كنّا ما زلنا ملطّخين. هوذا سرّ تحمّل الألم، الذي يطهّرنا ليجعلنا نتّحد بالله - المحبّة.

    بهذه النظرة المتواضعة والصائبة، نفهم أنّ حكم الله على الإنسان الأوّل، بعد الخطيئة الأصليّة، لا ينظر إليه كعقاب، بل كعلاج: إنّه الدرب التي لا مفرّ منها للتطهّر من أوزار الخطيئة الهائلة.

    بهذه النظرة نفهم أيضا أنّ جهنّم هي نتيجة حتميّة للذين يرفضون هذه المحبّة، الذين لا يؤمنون ولا يقبلون أن يتمّ تطهيرهم، الذين لا يبتغون "النظام" الذي وضعه الله للحياة الأبديّة، من خلال وصاياه وشرائعه التي هي شرائع حياة، محبّة، وبمخالفتها، نفقد الحياة لكوننا نرفض قبول شرائع الفردوس.

    فالله، بمحبّته اللامتناهية، لا يلزم الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله، أي حرا" لا عبدا. وفي المقابل، لا يبتغي حرمانه من الحياة التي وهبه إيّاها "فمواهب الله ودعوته هي بلا ندامة" (روما 11/29), لكن بكشفه الحقيقة للإنسان، إنّما يدعوه إلى اختيار الحياة: "لقد وضعت أمامك الحياة والموت؛ اختر الحياة" (تث 30/19), وفي خضمّ هذه الحقيقة، يُظهر له أيضًا جهنّم، لا لتهديده، بل ليجعله يعي نتيجة اختياره وعصيانه، علّه يساعده على التواضع وعلى رفض الخطيئة، ويحثّه على الجهاد، لما فيه خيره وخلاص نفسه، فالله إذًا، يُظهر جهنّم للإنسان بدافع الحبّ والرحمة والعدل، لئلاّ يلومه الإنسان يومًا على عدم إعلامه بالحقيقة كاملةً.

    الشيطان يريد أن يخفي وجوده

    هنا يكمن الدور الفائق الأهميّة للقدّيسة فيرونيكا! هنا تكمن مساهمتها في "انتصار المحبّة". نعم! تؤكّد لنا القديسة كم أنّ الله محبّة، وكم فردوسه رائع، لكنّها تؤكّد أيضا حقيقة وجود جهّنم وفظاعتها، لمن لا يعتقد بوجودها.

    لكن الشيطان عدوّنا وطبيعتنا المتكبّرة يعملان على أن نرى الأمور على عكس حقيقتها. لماذا؟

    الشيطانلكونه "أبا الكذب" (يو 8/44) ولكونه يكرهنا، يريد أن يجعلنا نعتقد امّا بأنّ الله ليس محبّة لكونه خلق جهنّم، أو بأنّ الله غير صادق، وجهنّم غير موجودة.

    أمّا طبيعتنا البشريّة، فلكونها مجروحة، وضعيفة بسبب الخطيئة الأصليّة، تبحث عن الملذّات والأفراح لكون الله خلقها للسعادة، لكنّها باتت لا تعرف أن تميّزها بنقاوة وصفاء: فمن خلال تأمّلنا لكتابات القدّيسة، سوف ندرك أكثر بعد أنّ كثيرا ممّا نعتبره "أفراحًا وملذّات"، لا تستحقّ أن نعلّق قلوبنا بها، وهي أحيانا مجرّد أوهام. وسوف نعي أيضا خطورة السُمّ الذي يدسّه لنا الشيطان في بعضها، تمامًا كما في ثمرة جنّة عدن التي بدت "جميلة وشهيّة" (تكوين 2/6).

    عند ذلك، سنفهم قول القدّيس فرنسيس: "صعب ومرّ على الجسد خدمة الله، وحلو لديه ارتكاب الخطيئة"، علّنا نردّد معه أيضا: "عظيم مقدار الخير الذي ينتظرني، حتّى أنّ كلّ عناء هو لذّة لي".

    فالقدّيسة فيرونيكا، بفيضً من معرفة الله ونوره ومحبّته، كانت تبكي كالقدّيس فرنسيس لكون "المحبّة غير محبوبة".


    مقاطع من أنشودة الحبّ الرائعة منتقاة من اليوميّات

    - انّي أرى، كما في مرآة، بأيّة محبّة أحبّني الله ولا يزال يحبّني. رجائي في هذا الحب...".

    - "لقد اختبرتُ الحبّ. نفسي منغمسة في رحابة هذا البحر؛ يحوّل الحبّ نفسي إلى الحبّ نفسه. نفسي في الله. الله في نفسي. يتكلّم الله بصوت الصمت، وتجيب النفس، لكنّ جوابها هو صدى لصوت الله الذي يحبّ ذاته فيها. نفسي، بالحبّ تبدو وكأنّها تعرف الله في ذات الله، وتشاطره سعادته الأبديّة. الله يجذبها نحوه بفعل انجذابات، واندفاعات، وانخطافات، هي من ثمار الحبّ.إنّ معرفة الله الجديدة تنتج تحوّلاً جديدًا في الله". - "أيا أبا حياتي، عروس نفسي، قلب قلبي، عد إلى قلبي! أيّتها النجوم التي تسطعين أمامه، قولي له بأنّي أذوب من الحبّ...".

    - "... في غضون لحظة، بدا لي أنّي أشعر بأنّ الحبّ الإلهيّ يتغلغل في - كلّ نفس، فتضحي كيانًا واحدًا مع الحبّ الإلهيّ... لم أكن أدري إن كنت في السماء أم على الأرض؛ كنت في حالة معرفة كبيرة لذاتي، فبدا لي أنّني أحقر دويدة على وجه الأرض... كنت أرى أنّني عدم، وقد عزّز هذا الشعور لديّ إدراكي بأنّني ناكرة لجميل الله... إنّه إله خيّر للغاية، رحوم للغاية، مهانٌ جدًّا من قبل خليقة عاقّة مثلي!... كنت مشدوهة بالله... أعاين الصفات الإلهيّة. الله كان ذاكرتي، الله كان عقلي، الله كان إرادتي؛ كلّ الله في النفس، وكلّ النفس في الله. ما اختبرته في تلك اللحظات لا يمكن التحدّث عنه... كانت نفسي تغدو متجرّدة دومًا أكثر من كلّ ما ليس هو الله... كان يبدو لي وكأنّي في أتّون... يعجز الكلام عن شرح هذه الأمور... أقول فقط إنّ النفس تبقى مأخوذة في الله لدرجة أنّها، لدى عودتها إلى حواسها، يبدو لها كلّ شيء جديدًا! آه، كم تتألّم لرؤية نفسها مسجونة في الجسد المائت! إذّاك، يبقى في داخلها شعور بالاشمئزاز من كلّ الأمور الأرضيّة...". لا للحواس، لا لبشريتي بعد اليوم؛ الله وحده: هذا ما أريد أن أحبّه. تعالي جميعاً أيتها الخلائق الفاقدة الوعي، تعالي أحّبي الخير الأعظم؛ تعالوا أيها الخطاة توبوا إلى الله. انّه الحب الأقصى ورحمته لا نهاية لها: اعدلوا عن إهانته، عودوا إلى الله. انّه كله حبّ؛ سيمنحكم حبّه عينه لكيما تحبّوه. أترون! كما يفعل معي هكذا سيفعل معكم أيضاً؛ تعالوا جميعاً!"
  • الفصل الثاني: الحقيقة المرعبة لجهنّم والملائكة المتمرّدين


    الشياطين

    نقرأ في يوميّات القدّيسة بأنّ الشياطين كانت تنتزع من يديها الأباريق وأوائل أخرى،وتسكب المياه المغليّة عليها في المطبخ؛ وكانت تقتلع من يدها القلم، وتسكب الحبر، بينما تكتب اليوميّات. لم يكن لديها ليلة هادئة تقريبًا. كانت الشياطين تظهر لها بأعداد كبيرة، بأشكال مرعبة، مهدّدة، بلا حياء... تعوي، تخور، تكفر... تخرج روائح نتنة لدرجة تحملها على الغثيان والغيبوبة... ترمي في صحنها قبضات من الشعر، العناكب، الفئران الميتة... ترميها في النار... ترطمها بالحيطان، ترميها بحجارة ضخمة، ترفسها وتضربها بشكل غير معقول. كانت الراهبات تارة يسمعن الضجيج، وطورا" يرين. وعندما كان يحدث ذلك، كانت القدّيسة تشجّعهنّ وتطمئنهنّ. كم اضطررن أن يسرعن ليلاً إلى غرفتها، إلى أن سمحت السلطة بأن تنام إحدى الراهبات معها لكي لا تبقى وحدها. لكنّ القدّيسة لم تكن خائفة. كانت تتحدّى وتؤنّب أعداءها:"تعالوا، أُضربوني، أقتلوني؛ سعادتي هي بأن أتألّم لأجل إلهي... أيها الجبناء، تأتون بهذه الأعداد لمحاربة امرأة مسكينة مثلي!"في إحدى المرات، ظهرت العذراء مريم الكليّة القداسة أثناء إحدى المعارك وقالت للشياطين الذين كانوا يبحثون عن الفرار: "ها هي ابنتي، ابنتي هي المسيطرة على جهنّم".كانوا يهاجمونها، عادة، عندما كانت تقوم بدورها كضحيّة وسيطة ومكفّرة، أي عندما كانت تصلّي وتمارس الإماتات لارتداد الخطأة. كانوا يصرخون: "أقلعي! أقلعي والاّ أذقناك عذابات جهنّم"،فيثبتون لنا بذلك قوّة الصلاة والإماتة!

    كانت الشياطين تسيء معاملتها أحيانًا لدرجة يتركونها معها كجرح واحد: كسروا رجلها في أحد الأيام، فبقيت معلّقة كخرقة، حملتها الراهبات إلى كرسي الاعتراف وهي على هذه الحالة، فشفيت للحال، لأنّ المعرّف فرض عليها طاعةً أن تطلب من الله الشفاء.

    عند نزاع الأخت لويزا، التي كانت عدوّتها، كانت فيرونيكا ترى الشياطين آتية لتأخذ روحها وهي تصرخ: "إنّها لنا! إنّها لنا! الويل لك!" وتمسك الأخت بيدها: "دافعي عنّي! خلّصيني!" هكذا حصل.

    جهنّم

    في 17 ك2 1716 (عيد القدّيس أنطونيوس الكبير)،ظهرت لها العذراء مريم ونقلتها عند أقدام الثالوث القدّوس؛ ثمّ أمرت الملائكة الحراس بأن يقتادوها بالروح إلى الهاوية: "لا تخافي يا ابنتي؛ إنّني معك". قالت: "وجدت نفسي بلمحة بصر في منطقة سفليّة سوداء منتنة. سمعت خوار جواميس وزئير أسود وفحيح أفاع وقصف رعود ترعب الأجواء. وكنت في الوقت عينه ألمح بروقًا صفراويّة تتلاعب وسط الدخان. وهذا ليس شيئًا بالنسبة لما سأراه فيما بعد.

    انتصب أمامي جبل عظيم مليء بالأصلال والأفاعي بأعداد هائلة معقودة بعضها ببعض، تتقلّب وتتلوّى عبثًا دون أن تستطيع الانفصال وسألتهم عن تلك الأصوات الكئيبة، فأعطوني جوابًا واحدًا: إنّها جهنّم العليا، أي جهنّم الخفيفة. فعلاً، فقد انشقّ الجبل بعد ذلك وانفتح جانباه، فرأيت فيه جمعًا كبيرا من النفوس والشياطين المشبوكة بعضها ببعض بسلسلة من نار. وكانت الشياطين، الشبيهة بجواميس مرعبة وأحصنة مكدونة، تلقي من عيونها وأنوفها وأفواهها النيران، بينما أسنانها، وهي أشبه بخناجر من فولاذ، تعضّ النفوس وتقطّعها. فَعَلا صراخ حادّ، صراخ يائس... وانتصبت جبال أخرى أشدّ هولاً من هذا الجبل، أجوافها مسرح لعذابات شرسة يستحيل عليّ وصفها.

    ورأيت في قعر الهاوية عرشًا هائلاً مؤلّفًا من الشياطين الأكثر بشاعة ورعبًا وهولا ، وفي الوسط رأيت كرسيًا مؤلّفًا من رؤساء الظلمات.هناك ينتصب الشيطان ببشاعته التي لا توصف.وكأنّ رأسه مؤلّف من مئة رأس، تعلوه حراب هائلة حيّة، على رأس كلّ منها عين مفتوحة محرقة تلقي أسهمًا من لهيب، تضرم ح رارتها الجمر الجهنّمي وتهيّجه.يرى الشيطان جميع الهالكين، وهم بدورهم يرونه.وأعلمتني الملائكة بأنّ هذه الرؤية وجهًا لوجه مع الشيطان المرعب هي التي تسبّب عذابات جهنّم، كما أنّ رؤية الله وجهًا لوجه تتضمّن مباهج الفردوس. فالشيطان يلقي على عناصره الآلام والعذابات التي تلتهمهم. وعندما يقذف اللعنات والشتائم، يجعل الجميع يشتمون ويلعنون ويطلقون معه عواء اليأس. قلتُ لملائكتي: "كم من الوقت تدوم هذه العذابات؟" فأجابوني: "إلى الأبد، مدى الأبديّة!" وعندما أخرسني الرعب، رأيت أنّ الوسادة الحيّة لعرش لوسيفورس هي يهوذا بشخصه، وبرفقته نفوس أخرى يائسة مثله. فسألت أدلاّئي: "من هي هذه النفوس؟" يا لهول الجواب! قالوا: "هي نفوس رؤساء للكنيسة ومسؤولين دينيّين"!

    ... أدركت أنّ حضوري يضاعف غضب الهالكين؛ أمّا أنا، فلولا مساعدة الملائكة، لا بل لولا مساعدة مريم نفسها الحاضرة معي بشكل غير منظور، لكنت قضيت من الرعب. والآن سكوت! لم أقل شيئًا! لا أستطيع أن أقول شيئًا! فإنّ كلّ ما يقوله الوعّاظ تجاه هذه الحقيقة التي لا يمكن التعبير عنها ليس شيئًا أبدًا أبدًا! سكوت، سكوت!"

    ورأت نفوسًا كثيرة تهطل كالمطر في الهاوية المظلمة، مسرح الرعب.

    في رؤى أخرى، الربّ نفسه هو من أجابها بأنّ العذابات هي "على الدوام، مدى الأبديّة"، وأيضًا: "أنظري وتبيّني جيّدًا هذا الموضع الذي لن يكون له نهاية قط..." في وصوف أخرى أطول شرحًا، تصف المستويات السبع لجهنم، مع فئات الهالكين فيها... فقد رأت موضعًا أكثر هولاً، فيه الرهبان الذين خرقوا واحتقروا قوانينهم المقدّسة؛ كما رأت مواضع أخرى للكهنة الذين لم يكونوا أمناء لتعاليم الكنيسة، والذين بالتالي كانوا سببًا لهلاك العديد من النفوس. كانت عذابات تلك المواضيع مريرة للغاية...

    يا للعجب! لقد رأت أيضًا، في موضع على حدة، هالكين بالنفس والجسد! لقد أرعبها ذلك. فشرحت لها العذراء بأنّهم الذين كانوا قد باعوا نفسهم للشيطان بعهدٍ اختياريّ حرّ...
  • الفصل الثالث: القدّيسة فيرونيكا وعلم التكفير(التعويض)


    لقد رأت القديسة فيرونيكا خبث الخطيئة و كم أنها تهين الله و كم أن عقابها في جهنم مهول أضحت رسالتها التفكيرية ذات قدرة و قوة دوماً أكثر تصاعداً فأعلنت:

    "يا ربي أقدّم ذاتي للبقاء هنا كباب لكي لا يعود يدخل احد إلى أسفل ويفقدك أنت الخير اللامتناهي . امنح نوراً يا رب لكل الخطاة البائسين لكي لا يعود يهينك احد … فطالما أبقى هنا كباب لن يدخل أحداً هذا الموضع".

    علم التكفير

    إنّ علم التكفير على جانب كبير من الأهميّة في عالمنا المعاصر. فالمجتمعات الحاليّة "المؤلّهة للجسد"، والباحثة عن رغد العيش، لا تتقبّل هذا العلم لكونه يتعارض مع مبادئها وقيمها القائمة على البحث عن اللذة والانكباب الجامح على كلّ ما تشتهيه الحواس والرغبات. بينما يهذّبنا علم التكفير ويحثّنا ليس فقط على تقبّل آلام وصعوبات الحياة، بل أيضًا على البحث الطوعي عن التجرّد، وحرمان الذات والإماتة.

    نجد أسس علم التكفير خاصّة في الرسالة إلى أهل كولوسي 1/24: "إنّني أفرح بالآلام التي أقاسيها من أجلكم، وأكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة" كما في الرسالة الأولى للقدّيس بطرس الرسول 2/21:"المسيح قد تألّم عنكم تاركًا لكم مثلاً تقتدون به".

    فما أعظم اقتداء القدّيسة فيرونيكا بالآم السيّد المسيح.

    حياة القدّيسة فيرونيكا مطبوعة بكلّيتها برائحة علم التكفير، لدرجة جعلت الكاردينال بالاتسيني، يدعو الى "ضرورة التوقّف عند مبدأ التكفير الذي له منزلة كبيرة في يوميّات القدّيسة، والذي يعطينا الحقّ بأن نعتبرها المعلّمة الأسمى لعلم التكفير".وطلب اعلانها معلّمة الكنيسة في هذا المضمار. فمنذ مركاتيلّو، وهي لا تزال طفلة، قال يسوع لها: "إنّك لي. وأنا لك. ستكونين عروستي، مشاركتي في عمل الفداء".من يوميّاتها

    يشرح لها يسوع قائلاً: إنّ الإنسان الذي خُلق بفعل الحبّ ولأجل الحبّ، قد - أهان "الحبّ" بكبرياء الروح وبتمرّد الجسد. أنا قد ضمّدت الجرح المُلحق بالحبّ الخالق، وضمّدته بواسطة الألم الأقصى. من يريد على مثالي أن يعوّض عن الحبّ الخالق؟ من سوف يريد أن يكمّل في ذاته ما نقص من آلامي الفدائيّة؟ أتحبّيني؟"

    أجابته فيرونيكا: "ها آنذا يا ربّ! إنّي أريد صليبك. أريد فيّ كلّ العذابات التي أصابتك؛ فمعك، وعلى مثالك، أريد تقديم التعويض للحبّ الخالق؛ وبالأكثر، فإنّني أبتغي كلّ السيوف التي اخترقت قلب مريم شريكة الفداء، أريدها أن تخترق قلبي. إنّكَ تسألني: "أتحبّيني؟ آه! كم إنّي أحبّك يا ربّ! فإنّني أقول لك فعلاً: أصلب فيرونيكا".

    يتابع يسوع قائلاً: "بواسطة جراحاتي ضمّدت الجرح المُلحق بالحبّ الخالق. من سيبتغي أن يطيّب الجراحات الملحقة بي، أنا الحبّ الفادي"؟ وترى فيرونيكا يسوع مخضّبًا بالدماء: دم في عينيه، في فمه، وعلى جسده كافّة. "يا إلهي، تصرخ من بدّل أحوالك على هذا النحو؟ فيجيبها: الخطأة، الهراطقة؛ وخاصّة الذين ينكرون عليّ صفة الحبّ". فتتقدّم بيدٍ مرتجفة، وهي تشهق بالبكاء:"سأكون فيرونيكا خاصّتك، المعوّضة والمعزيّة. أهب دمي تعويضًا عن دمك... أهب ذاتي لكي يسمّرني الخطأة بدلاً عنك؛ سأكون رسولتك. إنّني أحبّك".

    نشيد الألم

    وفي موضع آخر، يُظهر لها يسوع قيمة الألم، فتبادر إلى كتابة نشيد إكرامًا للألم: "إنّ درهمًا من الألم تفوق قيمة كلّ ثروات وكلّ أفراح العالم. لو كان لي ألف لسان لما استطعت أن أعبّر عن الخير الذي يجلبه الألم للنفس... إنّ الألم هو مفتاح الحبّ... من يسير في درب الألم الحقّ، ليس لديه رغبة سوى في أن يخدم الله بحبّ صافٍ، والحبّ النقيّ يزداد بقدر ما يزداد الألم الحقّ... صلبانًا أعطني! صلبانًا أريد! إرادتي هي ألاّ أحيا دون عذاب؛ دون عذاب لا أستطيع أن أحيا... أيّها الصليب الصالح، تعالي إليّ! أيّها الصليب العزيز، خذني وسمّرني عليك! أيّها الكنز العظيم، يا سرير الحبّ، إجعلني أرتاح بين ذراعيك! أيّها الصليب العزيز، تعالَ إليّ! أنت وحدك من أتوق إليك، أنت وحدك من انتقيته سندًا لي ومتّكأ ".

    نمازج من اماتاتها

    وصفت لياليها على هذا النحو: "كنت أمضي الليل بالأكثر باكية... متفكّرة بالاهانات الملتحقة بالله... التي تجعلني أذرف الدموع مدرارة... كنت أشعر بأنّي متلهّفة دوما أكثر للتألّم من أجل النفوس". كانت تشعر دائمًا بأنّها مدعوّة لأن تقدّم للعريس السماويّ عذابات اختياريّة إضافيّة، لكيما تكفّر عن الخطأة. لذا فإنّنا نجد في حياتها أصنافًا وألوانًا عديدة من الصلوات ومن الإماتات، يمكن الاقتداء بها على درجات متفاوتة منها:

    درب الصليب: كانت فيرونيكا تحمل صليبًا ثقيلاً على كتفها، أو جذع شجرة، أو مقعدًا ثقيلاً. كانت تركع على الحجارة وعلى الثلج، تقوم بتطوافات ليليّة، صاعدة الأدراج على ركبتيها، ودماؤها تسيل.

    السهر الطويل: كانت تحيي السهرات الطويلة المليئة بالإماتات والتقشّفات. تنام قليلاً متمدّدة على لوح خشبي أو على أغصان العريش. كانت تخيط في ثوبها أشواكًا، لتساعدها على عدم النوم.

    الصوم وأصناف الحرمان: لقد تفنّنت فيرونيكا في اختراع أساليب التكفير، والأمثلة أكثر من أن تحصى: إذا تفوّه لسانها بكلمة بطّالة أو جارحة، كانت تعاقبه بوضع حجر فوقه ردحًا من الزمن؛ كانت تسجن ذاتها في وضعيّات غير مريحة للغاية، لكي تكفّر عن تمادي الآخرين في استعمال حريّتهم... كانت ترتدي المسوح، وتجلد نفسها لتضعف فيها الجسد، تكفيرا عن خطايا عديدة يرتكبها البشر... صامت على الخبز والماء اكثر من خمسة سنين متتالية.

    من أخبارها

    شعرت بقلبي يشتعل توقًا: ذهبت ودعوت إحدى الأخوات، واقتدتها إلى الحديقة؛ فتلونا في كابيلا القدّيس فرنسيس الورديّة بأكملها لأجل ارتداد الخطأة. بقيت الأخت باسطة ذراعيها، بينما كنت أضرب ذاتي بالمجلدة. ومن ثَمّ ردّدنا صلوات أخرى على النوايا نفسها.

    "لدى انتهاء القدّاس الإلهيّ، كنت أشتعل كأتون. رتّلت فرض الصباح بصوت جهوريّ أكثر من المعتاد. ثمّ دعوت بعض الأخوات لاتّباعي إلى الحديقة. فلحق بي تسعٌ منهنّ... قلت للأخوات: لنمضِ وندعُ الخطأة. وعلى هذه النيّة تلونا "طلبة العذراء" و"السلام عليك" يا نجمة البحر... لدى وصولنا إلى كابيلا القدّيس فرنسيس جلدنا أجسادنا؛ ثمّ عدنا إلى الكنيسة منشدين.

    هنا كرّرنا عمليّة الجلد ونحن نردّد ثلاثة وثلاثين دعاء إلى مخلّص العالم... ثمّ طلبت المغفرة عمّا سبّبته من شكوك، وحَذت الأخوات حذوي باكيات.

    بعد ذلك عادت الأخوات إلى قلاّياتهنّ، أمّا أنا فعدت إلى البستان حيث مكثت مطوّلاً. الثلج كان عاليًا... لم يكن صوتي يطاوعني لدعوة النفوس، فعزّزته بصوت المجالد، الحبال، والأشواك؛ ومع كلّ ضربة كنت أدعو الخطأة للتوبة، وكذلك الهراطقة والأتراك...".

    عبرة لمن يعتبر

    هل ندرك مدى أهميّة روح التعويض والتكفير لدى القدّيسة فيرونيكا في زمننا الحاضر؟ تعويض يتخطّى شخصها ليضحي تكفيرا جماعيًّا كما رأينا. ولا يكفي ذلك، بل كم من مرّة كانت تحضّ الرؤساء على ذلك. فلنذكر على سبيل المثال، عندما أراها الله الخطر الذي يتهدّد مدينتها بالذات، لأجل تكاثر الخلافات والخطايا، فأقنعت الأسقف أوستاكي بتنظيم مسيرة توبة... فسكن غضب الله.

    فمن أولى واجباتنا أن نحترم حكمة القدّيسين، ونستفيد منها. الإنجيل يعلّمنا بأنّنا لا نستطيع أن نحبّ الله الذي لا نراه ان لم نحبّ القريب الذي نراه (1 يو 21/24) فكيف نعرف جميل الله لأجل الفداء ان لم نعرف أوّلاً جميل القدّيسين، أعضاء جسده السرّي، وقد أكملوا في أجسادهم ما نقص من آلام المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة، والذي هو نحن. يقول في هذا الصدد القدّيس توما الأكويني: "لا شيء يمنع أن يكون هنالك، بين الله والبشر، وسطاء ثانويّين، كمعاونين لاتّحاد البشر بالله". فلنشكر الله عليهم.
  • الفصل الرابع: دور مريم الكليّة القداسة الذي لا غنى عنه


    مريم في العقائد

    إنّه موضوع يثير اليوم جدلاً كبيرا، لربّما الأكبر: مكانة مريم الكليّة القداسة ودورها في الكنيسة وفي تاريخ الخلاص. يزعم البعض أنّ هذا الدور مبالغ فيه، والبعض الآخر يعتقد أنّه يحوجنا الكثير من البحث والتقصّي لتقدير عمق هذا الدور حقّ قدره.

    ففي هذه الأزمنة التي تحمل ختمًا مريميًّا واضحًا لم يُعرَف له مثيل في التاريخ، من خلال ظهورات العذراء المتلاحقة، بدءًا من شارع باك ( (Rue du Bac والأيقونة العجائبيّة، لورد، لاساليت، فاطما، وظهوا رت أخرى أثبتتها الكنيسة أو لا تزال قيد الدراسة والتمحيص، بدأ تتالي العقائد المريميّة: عقيدة الحبل بلا دنس التي أثبتتها فورا السماء، والعذراء مريم نفسها في لورد بعد أربع سنوات: "أنا الحبل بلا دنس" (1858) ثمّ عقيدة انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد (1950) مع البابا بيوس الثاني عشر، ثمّ أمّ "الكنيسة" في نهاية المجمع الفاتيكاني الثاني، مع كلّ ما تحمله هذه العقائد في طيّاتها من معانٍ جوهريّة بالنسبة للكنيسة ولتاريخ الخلاص.

    وقد أعلنت العذراء مريم بنفسها في ظهوراتها في أمستردام ك "سيّدة جميع الشعوب" (ظهور أثبته الأسقف سنة 1998) وطالبت باعلان العقائد المريميّة الثلاثة الأخيرة: أنّها "محامية الجنس البشري ووسيطة كلّ النِّعَم السماويّة وشريكة الفداء".ما تدرسه الكنيسة اليوم، فانّ البابا القدّيس بيوس العاشر يؤكّد أنّ "من خلال الاتّحاد المشترك للآلام والارادة بين يسوع ومريم، استحقّت هي أن تصبح، بتمام الأهليّة، مصلّحة العالم الضائع، ولهذا فهي موزّعة كافّة النعم" كما أنّ الدستور العقائدي نور الأمم يوضح قبل كلّ شيء أنّ "دور مريم الأمومي نحو البشر لا يعتّم بأي شكل من الأشكال أو يقلّل من شأن وساطة المسيح الوحيدة" وبأنّ "الاتّحاد الذي للأمّ في عمل الفداء منذ لحظة الحبل البتولي بالمسيح الى حين موته... وبصعودها الى السماء لم تتخلّى عن وظيفة الخلاص هذه، بل... لا تزال تواصل الحصول لنا على النعم الضروريّة للخلاص الأبدي".

    وهذا يعني أنّ ما قاله البابا بولس السادس مختتما أحد أحاديثه المريميّة: "لا نستطيع أن نكون مسيحيين ان لم نكن مريميّين" هو نقطة الوصول المهمّة؛ فمريم ليست اختيارا اضافيّا، بل لا غنى عنها في الفداء التاريخي كما في الفداء الشخصي لكلّ انسان.

    مريم في التقوى والتكرّس

    وهذا ما يترجم عمليّا في التقوى والتعبّد الشخصيّ لمريم الكليّة القداسة؛ فالتعبّد يجب أن يبلغ ذروته، بحسب التعليم المريمي الأسمى للقدّيس "لويس ماري غرينيون دي مونفورت"، في كتابه الشهير "التعبّد الحقيقيّ..."، من خلال التكرّس الشخصيّ والجماعي الكامل للعذراء مريم الكليّة القداسة، الذي عادت السماء وطلبته في ظهورات فاطيما.

    والجدير بالذكر، أنّ البابا يوحنّا بولس الثاني، توقّف مجدّدًا عند ها التعليم، فتشرّبه، وتعمّق فيه ساعيًا إلى تحقيقه، وأهداه إلى العالم بأسره في ندائه الشهير "كلّي لك"، وبتكريسه العالم بأسره والألفيّة الثالثة لقلب مريم الطاهر، داعيًا الجميع مرارا" لقراءة علامات الأزمنة، ولفهم هذا التكرّس وتطبيقه بحسب طلب العذراء مريم في فاطيما.

    فيرونيكا سبّاقة في البعدين المريميّين

    لقد احتلّ البعدين العقائدي والتقوي مكانة بارزة في اختبارات القدّيسة فيرونيكا وحياتها، فكانت سبّاقة في هذا الشأن. وبذلك استحقّت أن تُدعي "رسولة مريم" وليس فقط "تلميذة مريم"، وفق ما ورد في "يوميّاتها".

    وقد أوحت لها السماء بوضوح تامّ أنّ مريم هي وسيطة كافّة النِّعَم وشريكة الفداء، كما بلغت قدّيستنا الذروة في التكرّس لمريم العذراء، على المستوى الشخصيّ كما الجماعي.

    جديراً أيضا بالذكر كيف كانت مريم تحميها أيضا من الهرطقات ومن الشذوذ عن الحقائق الايمانيّة؛ فهذه الناحية بالغة الأهمّية في زمننا المفعم بالبدع وبالتعاليم الدينيّة المغلوطة.

    بعض ما أوردته في يوميّاتها

    1- في ما يختصّ بالتعبّد والتكرّس لمريم
    كانت تُملي على فيرونيكا ما يجب أن تسجّله في كتاباتها. وكانت تعطيها المناولة كلّ أيّام سجنها، طوال فترة الامتحان المفروض من محكمة التفتيش... وكانت تناولها في الأيّام التي كان يُحظّر على الجماعة أن تتناول منها. بواسطة مريم كانت تشفي الأخوات المرضى... وبإيحاء من مريم يوم عيد التقدمة سنة 1708, كرّست ذاتها احتفاليًّا للعذراء في 28 ت1 1711, بحضور القدّيسين فرنسيس وكلارا، أعطتها العذراء خاتمًا مطبوعًا عليه اسم مريم ودعتها "ابنتي الأعزّ بين كلّ بناتي".

    "الويل لي لولا وجود مريم! فكلّ خير أتلقّاه منها. أنت يا أبت تعلم أنّ الأمر قد كان دوما كذلك.والآن زاد الأمر روعة. فلو كنت تدرك، يا أبت، أساليب معاملة مريم الكلّية القداسة لي، لجننت من الفرح."

    "... يبدو لي بأنّ الحبّ اللامتناهي كان يختطف قلبي إلى قلب مريم الكليّة القداسة، الذي هو نبع وبحر يحتوي نارا" من الحبّ الحقيقيّ؛ وبأنّ نفسي غارقة في الحبّ الإلهيّ، من خلال قلب مريم الكل ية القداسة... آه! يا لمحبّة مريم الكبيرة!"

    "نفسي ثابتة وواثقة كليّا بالله وبمريم الكليّة القداسة"

    "أثناء وجودك أمام الله، بث الله فيك حبّه من خلال قلبي ونفسي."

    يا ابنتي أريد أن تدوّني النِّعَم التي منحناها لك، الله وأنا، بمناسبة عيد - تطهيري... تذكّري بأنّ الطاعة المقدّسة أرسلتك عند قدميّ؛ ومنحتك عناقًا حارا. حين ذاك، نلت في قلبك، من خلال الاتصالات، تذوّقًا من الحبّ، منحَ نفس نفسي شعورا بالطهارة الملائكيّة، وقد كان ذلك من خلال طهارتي عينها. لقدجعل قلبي ونفسي "قلب قلبي" تشعر بشكل عميق بقيمة طهارتي. يا ابنتي، اعتبري جيّدًا هذه النعمة المُرضية جدًّا لدى الله. فإنّ النفس البسيطة والطاهرة هي منظورة دومًا من الله، الذي ينعم عليها بنعمه وهباته الإلهيّة. يا ابنتي، إنّ نظرة الله الإلهيّة تقدّس وتحيي الأنفس البريئة والطاهرة".

    "حياة ابني المعذّبة وحياتي كانتا تخدمانك في أن تتعلّمي كيف تحبّين... كنت أبقى الى جانبك، وأعلّمك الممارسة الأكثر كمالا".

    يا ابنتي، لقد بدأ الله عمله فيك، وأنا مولجة من قبله تعالى بأن أكون مرشدتك وقانونك".

    "أتعلّم كلّ شيء منها... لأنّ فضائلها كانت نقاط التأمّل التي كنت أفكّر فيها نهارا وليلا".

    "يعمل الشيطان كلّ ما في وسعه ليفصلني عن مريم".

    "لدى هذا التثبيت، شاركت نفسي لأجلك بفعل شكر لله، وثبّت نفسك كمختارة بين المختارين. فتمّ إقامة عيد في الفردوس لأجل هذا التثبيت الذي تمّ، وأنت بقيت مرتبطة بإرادة الله. فبدأ فيك تذوّق الفردوس مسبقًا..." (25 آذار 1727).

    "أرجو الحصول على عدّة ارتدادات للنفوس بفضل دمه الأقدس؛ كما ألتجئ مرارا الى العذرارء القدّيسة؛ فهي البداية والسبيل والنهاية لتهدئة الله".

    2- في ما يختصّ بالعقائد المريميّة

    في 1 ت2 1702, تلقّت فيرونيكا بالفعل وشاحًا عجائبيًّا، لا يزال يُحتفظ به في ديرها، أثناء دعوتها إلى أن تضيف إلى اسمها الرهبانيّ: فيرونيكا ليسوع ومريم، ليسوع المصلوب ولمريم العطوف. لقد كُتب لفيرونيكا أن تختبر عذابات الفادي، و"أوجاع شريكة الفداء".

    قدّمت لها كأسين: إحداهما يحتوي دم يسوع، والآخر مليئ بدموع مريم. قدّمتهما القدّيسة للآب الأزليّ حاصلة منه على كافّة أنواع النِّعَم.

    "حينئذ... أعلنت أمّ الرحمة ومعاونة العالم كلّه، وذلك من خلال الآلام الكلّية القداسة التي اضطرّ ابني أن يتحمّلها، وأنا معه... أنا وابني الكلّي القداسة تحمّلنا عذابات وأوجاع تلك الساعات الأربع والعشرين التي شكّلت "الآلام".! فكنت بذلك معاونة لفداء البشريّة..."

    "... حينئذٍ، شعرتُ بألم جديد من آلام مريم، كما في العادة أن يحدث معي ليلاً... وقد تمّ تجديد الصلب، وبالنهاية، تجدّدت آلام مريم... وكانت مريم الكليّة القداسة تشير نحو الختم، فكنت أدرك بأنّ كلّ خير كان يتواجد هناك، حيث السجلّ، أي أنّ في قلب مريم يتواجد نبع كلّ النِّعَم...".

    "انّني وسيطة بين الله والخلائق قالت العذراء مريم للقدّيسة فيرونيكا وكلّ النعم تمرّ من خلال يديّ".

    "... جعلتك ترين بوضوح أباك الساروفيمي (القدّيس فرنسيس) فرجوته بأن يستحصل لك على نعمة ما، وأوصيته برهبانيّتك، بالأنفس المطهريّة، بالخطأة، وبعدّة أمور أخرى. فهو حينئذٍ قال لك وهو يشير إليّ: أركضي، أركضي إلى ها هنا، حيث نبع النِّعَم؛ وأشار إليك نحو قلبي...".

    " من يبتغي النعم يجب عليه أن يلتجئ الى قلب مريم المتألّم..."

    "أطلبي، أطلبي: فانّي أنا الوسيطة."

    "... تستطيعين كلّ شيء، إن أردت، لأنّك فيك ومنك تخرج النِّعَم؛ فأنت نبع النِّعَم، وفي يدك النِّعَم كلّها، ويبدو لي أنّنا نرى، في قلبك، آلامك التي تعلن كلّها كختم: "نبع كلّ النِّعَم". إذًا، فإنّ قلبك هو نبع كلّ النِّعَم، ونحن كلّنا متذلّلون وساجدون أمامه...".

صلاوات

  • التساعية
  • طلبة القدّيسة فيرونيكا
  • زياح القديسة فيرونيكا
  • صلاة ألفتها القديسة فيرونيكا
  • فيرونيكا يا بتولْ
  • مسبحة القديسة فيرونيكا
  • أيتها القدّيسة فيرونيكا المجيدة، يا من تمّ تثبيتك مرارا ك "ابنة الآب، عروسة الابن، تلميذة الروح القدس"، أنت التي ضحيت بذاتك للغاية ليستطيع العالم أن يقدّم المجد والمديح وعرفان الجميل اللائق بالثالوث الأقدس، نرجوكِ أن تستحصلي لبشريّة اليوم الناكرة الجميل والمتناسية لله، توبة صادقة، وتنتزعي باستحقاقاتك أكبر عدد ممكن من الأنفس من درب الهلاك، ليؤمنوا برحمة الله اللامتناهية، ويمدحوا صلاحه الى الأبد.,
    (لحظة صمت... أبانا، سلام، مجد)


    يا محاميتنا، يا من أراد المسيح أن تعرف حياتك وكتاباتك في العالم لتثبيت الإيمان، أنظري بحنوّ إلى الكنيسة المقدّسة وأبعدي عنها سرطان الإيديولوجيات والأفكار اللاهوتية الخاطئة، معيدة إياها إلى احترام الأب الأقدس وتعليم الكنيسة الكاثوليكية، متوسلةً إلى عريسك أن يرحم العديد من الرعاة والمؤمنين المصابين بعدوى التساهل والنسبيّة، ليعودوا عن غيّهم ويعزّوا قلب يسوع الأقدس بخضوعهم واتحادهم.
    (لحظة صمت... أبانا، سلام، مجد)


    يا ابنة الطاعة المقدّسة، يا من كنت تصلين دوما لتلبية حاجات الأب الأقدس الذي كنت تدعينه "المسيح على الأرض" دافعي وحامي، نوّري وشدّدي، نرجوكِ، الأب الأقدس وكافّة الأساقفة والكهنة الأمناء المتّحدين به، لكيما يستطيع، وقد تعزّى وتقوّى بصلاتهم واتحادهم، أن يقود سفينة بطرس الموكلة إليه، ويحملها سليمة إلى شاطئ قلب يسوع الأقدس الآمن، بواسطة قلب مريم الطاهر، ملجأ الخطأة وعون المسيحيين.
    (لحظة صمت... أبانا، سلام، مجد)


    يا كلية الشجاعة والسخاء، يا مُحبّة الكمال، نرجوك، بكنز استحقاقاتك الكبيرة، أن تنبتي دعوات رهبانية مقدّسة، وعلمانيين حارّين يتحلّون بحياة صلاة واماتة وتجرّد ورفض للملذّات العالميّة، أمناء لمواعيد المعمودية، يعرفون أن يتغذوا بتقوى وعبادة على مائدة جسد الربّ وكلمته، محبّي الطهارة، التواضع، العفة، التوافق، أبناء حقيقيين وتلاميذ ورسل لمريم، مكرّسين كليا لها مثلك.
    (لحظة صمت... أبانا، سلام، مجد)


    يا ابنة مريم وتلميذتها، يا من أدركت بعمق دورها الجوهريّ كأمّ ومعلّمة في مسيرة النفس نحو العودة إلى إلهها والاتحاد به، تشفغي لدى عريسك الإلهيّ، ليفتح عيون العالم على الحقيقة كلّها حول مريم، لكيما يتمّ تكريس العالم، كلّ جماعة عائلة وفرد لقلب مريم المتألم والطاهر، وليتمّ إعلان عقيدة دورها كوسيطة كلّ النعم وكشريكة الفداء.
    (لحظة صمت... أبانا، سلام، مجد)
  • طلبة القدّيسة فيرونيكا


    كيرياليسون كريستياليسون كيرياليسون

    يا ربّنا يسوع المسيح
    أنصت إلينا
    يا ربّنا يسوع المسيح
    استجب لنا
    يا ابن الله مخلّص العالم
    إرحمنا
    أيّها الروح القدس الله
    إرحمنا
    أيّها الثالوث القدّوس الإله الواحد
    إرحمنا
    يا مريم القدّيسة البريئة من الدنس
    تضرعي لأجلنا
    يا مريم المحامية عن رهبانيّة القدّيس فرنسيس
    تضرعي لأجلنا
    أيّها القدّيس فرنسيس الساروفيمي
    تضرّع لأجلنا
    يا قدّيسة فيرونيكا
    تضرّعي لأجلنا
    يا نسخة طبق الأصل عن يسوع
    تضرّعي لأجلنا
    يا موسومة بجراح يسوع الخمسة
    تضرّعي لأجلنا
    يا ابنة العذراء المفضّلة
    تضرّعي لأجلنا
    يا معزّية قلب يسوع الأقدس
    تضرّعي لأجلنا
    يا عربون الوفاء العجيب
    تضرّعي لأجلنا
    يا لجّة التواضع
    تضرّعي لأجلنا
    يا ابنة الطاعة المقدّسة
    تضرّعي لأجلنا
    يا مثال الكمال الرهبانيّ
    تضرّعي لأجلنا
    يا مرآة جمال الله
    تضرّعي لأجلنا
    يا لهيب الحبّ الإلهيّ
    تضرّعي لأجلنا
    يا نار الغيرة الرسوليّة
    تضرّعي لأجلنا
    يا مزيّنة بالعطايا الفائقة
    تضرّعي لأجلنا
    يا شفافيّة البساطة المقدّسة
    تضرّعي لأجلنا
    يا نفسًا أثيريّة يتآكلها الحبّ
    تضرّعي لأجلنا
    يا فرح السماء والأرض
    تضرّعي لأجلنا
    يا مولّدة المختارين في السماء
    تضرّعي لأجلنا
    يا شعلة في كنيسة الله
    تضرّعي لأجلنا
    يا شهيدة التوبة
    تضرّعي لأجلنا
    يا خاصيّة الجنب الأقدس
    تضرّعي لأجلنا
    يا ضحيّة العدالة الإلهيّة
    تضرّعي لأجلنا
    يا خبز وخمر مائدة الثالوث الأقدس
    تضرّعي لأجلنا
    يا نبرة شجاعة المسيح
    تضرّعي لأجلنا
    يا محرّرة الأنفس المطهريّة
    تضرّعي لأجلنا
    يا مسيطرة على أركان جهنم
    تضرّعي لأجلنا
    يا سيفًا أرعب الشياطين
    تضرّعي لأجلنا
    يا عطر جراح المسيح
    تضرّعي لأجلنا
    يا عروسة عريس الدم
    تضرّعي لأجلنا
    يا مالكة علم القدّيسين
    تضرّعي لأجلنا
    يا فخر بنات القدّيسة كلارا
    تضرّعي لأجلنا
    يا أحبّ عرائس المسيح على الإطلاق
    تضرّعي لأجلنا
    يا مكلّلة بالمجد
    تضرّعي لأجلنا
    يا شفيعتنا القديرة
    تضرّعي لأجلنا
    يا حمل الله الحامل خطايا العالم
    أنصت إلينا
    يا حمل الله الحامل خطايا العالم
    إستجب لنا
    يا حمل الله الحامل خطايا العالم
    إرحمنا
    كيرياليسون كريستياليسون كيرياليسون

    تضرّعي لأجلنا أيّتها القدّيسة فيرونيكا
    لكي نستحقّ مواعيد المسيح

    صلاة

    أيّها الربّ يسوع المسيح، يا من زيّنت بأعجوبة القدّيسة البتول فيرونيكا بسمات آلامك، تعطّف واجعلنا نصلب أجسادنا لنصل إلى الأف ا رح الأبديّة، أنت الذي تحيا وتملك مع الآب والروح القدس إلى الأبد. آمين.
  • زيّاح القديسة فيرونيكا


    يا فيرونيكا جولياني القدّيسة
    الراهبة الوديعة والرئيسة
    قد تعلّمتِ حب الصّليب
    وكم تألمتِ مع الحبيب
    لأجلنا صلّي
    أطلبي السلام
    وقلبنا ملّي الفرح بالآلام


    ربيتِ بحُسنِ التُّقى والدّلالْ
    ببيتٍ عريقٍ حميدِ الخصالْ
    وعشتِ الطفولةَ سحرَ جمالْ
    بنورِ السّماءِ بدونِ ظِلالْ


    عروسَ السماءِ حَمَلتِ جُروحْ
    يسوعَ بجسمٍ وقلبٍ مفتوحْ
    بمريم شُغِفتِ قلباً وروحْ
    وصوتُ السماءِ بسرّها يبوحْ


    عنوانُ حياتكِ يُدعى الجهادْ
    جلداً وصوماً صلاةً تُعادْ
    جهنّمْ كشَفتِ أمام العِبادْ
    فَفُزتِ على الشياطينَ العِنادْ


    إليكِ فيرونيكا منّا الدّعاءْ
    رفعناهُ حُبّاً إيماناً رجاءْ
    فمُنّي علينا بكلّ سخاءْ
    وكوني الشفيعةَ ملءَ السّماءْ
  • صلاة ألّفتها القديسة فيرونيكا


    "باسم الثالوث الأقدس، أنا الأخت فيرونيكا، ابنة العذراء مريم المتألمة، والمكرّسة لها، أخطّ هذا التوسّل من قِبَل كل هذه الأخوات أيضاً، كما أشمل في نيّتي العديد جداً من الخلائق الأخرى. مجتمعين كلّنا في المحبّة ، نأتي عند قدمَيكِ يا مريم الكليّة القداسة، ونرجوكِ بصوتٍ


    واحد، ملتمسين منك، نعماً عديدة أنتِ عالمةٌ بها؛ ولكي ننالها، نضع أمام ناظريكِ ابنكِ العزيز مصلوباً لخلاصنا، والصليب، والأشواك، والمسامير، والمجالد، والعذابات، والأوجاع، وكلّ ما تحمّله خلال آلامه المقدّسة: فلتكنْ بمثابة أصواتٍ ضارعة لنا لننال النّعم بحسب نوايا كلّ امرء؛ ونضع ذواتنا بثبات في ظلّ إرادة الله القدوسة.


    أيتها العذراء الكليّة القداسة، امثلي أنتِ أمام ابنكِ: أظهري ذاتكِ أّماً. قلبكِ مخترقٌ بسبعة سيوف؛ فلتكن آلامكِ هذه صوتاً صارخاً يطلب لنا النّعم... أنتِ كأمّ الرحمة والرأفة، نأمل أن تنالي لنا كلّ شيء... تستطيعين كلّ شيء إن كنتِ تريدين، لأنّ فيكِ ومنكِ تخرج النّعم، ويبدو لنا أنّنا نرى في قلبكِ آلامكِ تقول كلّها، كما في ختم: نبع النّعم. إذاً فقلبك هو نبع كلّ النّعم؛ ونحن كلّنا خجولون وساجدون أمامه. ليتكلّم هو عنّا، ولينلْ لنا تلك النّعم."
  • فيرونيكا يا بتولْ يا مثالَ القدّيسين
    ْ قلبك ينشد يقولْ إني للهِ رهين
    (لحن يا مسيحا")


    كم حملتِ من آلامٍ
    وحدكِ ما من مُعينْ
    كَم نشَرتِ مِن سلامٍ
    في قلوبِ المؤمنينْ
    إتّحدتِ في يسوعَ
    كشريكة في الفداءْ
    عَذاباتٌ ودموعَ
    دَربَكِ صوبَ السّماءْ
    فيرونيكا يا ضحيّة
    عَن نُفوس الخاطئينْ
    فيكِ يا أغلى عطيّة
    نمشي في الدْربِ الأمين
    قلبُكِ قلبٌ مُعذّبْ
    هوَ للهِ كليمْ
    اللهُ في نفسِكِ يَلهَبْ
    قَلبُهُ فيكِ مُقيمْ
    طاعةٌ، فقرٌ، عفافٌ
    بذلُ ذاتٍ لا أنينْ
    أحيا ما كانَ جفافٌ
    ردَّ ما ليسَ أمينْ
    يا ابنةَ العذراءِ أنتِ
    في الفداءِ والألَمْ
    قلبُ قلبٍ لها كُنتِ
    إنّها نبعُ النّعَمْ
  • مسبحة القدّيسة فيرونيكا


    - بدل الأبانا: أيّها الآب الأزليّ إنّي أقدّم لك الدم الكريم والماء
    اللذين انفجرا من جرح قلب الأقدس
    وفاءً عن خطايانا ولأجل احتياجات الكنيسةالمقدّسة بأسرها.



    - بدل السلام: افتح قلبك لأدخل فيك من هذا الباب
    فأصير واحدًا معك.



    - بدل المجد يا قلب مريم الحلو

    كن هدايتنا لنور وجه المسيح.

الفيلم